إيران بين السلطة الوهمية للمؤسسات المنتخبة والسلطة الحقيقية للأقلية الحاكمة

https://rasanah-iiis.org/?p=1409

بواسطةبهنام أميني

في الوقت الذي خابت فيه آمال معسكر المصوّتين المعتدلين والإصلاحيين بعد انتخاب لاريجاني رئيساً لمجلس الشورى (البرلمان) وجنّتي رئيساً لمجلس الخبراء، تعرّض بعض عمال منجم ذهب “آق دره” وعدد من الطلاب في مدينة قزوين للجلد، فضلاً عن أحكام بالسجن لمدد طويلة للنشطاء السياسيين والمدنيين، بجانب ارتفاع عدد المُنتحرين سنوياً الذي وصل إلى أربع خانات، الجميع يعرف القصة التي سردناها حتى الآن، لكن هل كان هذا التزامن مصادفة؟
فمن جهة، أدت تلك الحماسة والهمة التي بُذلت في الانتخابات، وكذلك نسبة المشاركة المرتفعة نسبياً إلى وصول أشخاص هم على النقيض تماماً من الفكر السياسي لأكثرية المصوتين الذين شاركوا في هذه الانتخابات طمعاً في التغيير السياسي، ومن جهة أخرى، يتمّ القمع الممنهج لأي نوع من التجمعات، سواء كانت بقصد الاعتراض أو بقصد إظهار الفرح، وهو ما أظهرته قساوة وخشونة عقوبة الجلد، لذا فإنّ تجاهل العلاقة الطبيعية لهاتين الحادثتين السياسيتين والمعنى المستتر فيهما خطأ فاحش، وسيؤدي بالضرورة إلى فهم ناقص للحقائق الموجودة التي تشكّل، إلى حدّ كبير، حقيقة السياسة الإيرانية.
كلتا الحادثتين الأخيرتين تظهر الوجود المكثّف المؤثر للأقلية من أصحاب القدرة الذين استحوذوا على القدرة السياسية، ويمكن تسميتهم بـ “الأقلية الحاكمة”، ورسالتهم واضحة وهي: “مهما جئتم إلى صناديق الاقتراع، ومهما اعترضتم، أو حاولتم العيش خارج نطاق القوانين التي نضعها نحن، فالرئاسة لنا في النهاية، ومن ليس منّا، سنجعله يعرف مكانه من الإعراب، إما بالإعدام، أو السَّجن أو الجلد، وإمّا بالآليات الانتخابية المُدرجة في الدستور، نحن نفعل ذلك لأننا نستطيع”، إنّ أي محاولة لتغيير الوضع السياسي في إيران تستلزم فهم ومواجهة هذه الحقيقة المخيفة.

♦ السلطة الحقيقية والسلطة الوهمية
إن كانت الدولة، بمعناها العام، هي مجموعة من المؤسسات، فإن ما نشاهده في إيران هو خضوع الجزء الأساسي من هذه المؤسسات لسيطرة الأقلية الحاكمة، والتي في النهاية تملك القدرة الحقيقية، إن السلطة في المؤسسات المُنتخبة، أو بعبارة أكثر دقة “شبه المنتخبة”، كالسلطة التنفيذية والبرلمان، هي سلطة وهمية، وهذا لا يعني بالضرورة أنها لا تملك أيّ سلطة، بل يعني أنه ليس بيدها القول الفصل والحاسم مقارنة بالسلطة الحقيقية التي تكمن في مؤسسات مثل: المرشد، مجلس صيانة الدستور، السلطة القضائية، والحرس الثوري، وهي السلطة التي تحدد من سيتحكم في الحكومة والبرلمان، وليس العكس، صحيح أنّه من الممكن أن يصل إلى البرلمان والحكومة أشخاص من خارج دائرة الأقلية الحاكمة، لكنهم إلى حد كبير يتشابهون معها، وسنسميهم هنا تجاوزاً “الطبقة الحاكمة”، الطبقة الحاكمة الإيرانية، التي لا تحمل هنا معنى اقتصادياً بحتاً، تتميز عن نظيراتها من الديموقراطيات المنتخبة، ليس فقط من حيث رأسمالية الحكومة، كما نرى في الصين، وإنما استغلال ريع النفط في مداخيل الدولة أيضاً.
الإصلاحيون مطرودون من دائرة الأقلية الحاكمة، لكنهم جزء من الطبقة الحاكمة، الخطوط العريضة لسياساتهم الاقتصادية الرامية إلى “الخصخصة” على نطاق واسع، وتقليص الخدمات العامة، لا يختلفان كثيراً عن الأقلية الحاكمة، كما لا يمكن إنكار العلاقة التاريخية – السياسية والأيديولوجية بين هذين التيارين، ما يميّزهم في الوقت الراهن عن الأقلية الحاكمة هو سياساتهم المعتدلة في المجالات الثقافية والسياسية، الإصلاحيون ومؤيدوهم يظنون أن بإمكانهم تحدي السلطة الحقيقية بسلطتهم الوهمية، وأن هذا هو الطريق الوحيد، لذلك صرفوا جلّ اهتمامهم لمساومة وحتى استرضاء السلطة الحقيقية، وما جعلهم يعتقدون بهذا الأسلوب هو هزيمة المتشددين في الانتخابات الأخيرة، وتغيير تركيبة البرلمان والسلطة التنفيذية، ومع هذا فالتحدي الأكبر في أسلوب إحداث التغييرات الجزئية والتدريجية يكمن في أنّ استرجاعها أمر سهل بالنسبة إلى الأقلية الحاكمة بالنظر إلى حدود سلطتها الحقيقية، فبقليل من رفض الأهليات، وتزوير الأصوات، بالتزامن مع مطرقة السلطة القضائية والحرس الثوري الصلبة، سيتم القضاء على كثير من هذه التغييرات الجزئية، ولا ننسى أنّ حكومة الإصلاح لم تحرّك ساكناً أمام الضغوطات السياسية للمؤسسات الأخرى، بل ولم تملك الإرادة لمنع تنفيذ أحكام عديدة بالجلد في ميادين طهران.
المشكلة تكمن في أنّ الإصلاحيين لا يملكون أي مشروع يواجهون به لحظة وصول برنامجهم السياسي إلى طريق مسدود، وقد اعترف “حميد رضا جلالي بور” بهذه الحقيقة في حوار له قبيل الانتخابات الرئاسية في عام2013، وذلك حينما سئل عن برنامج الإصلاحيين في حال لم يتم احتساب أصواتهم، فأجاب قائلاً: “لا شيء”، وفضلاً عن الانتقادات الكثيرة التي تم توجيهها إلى برنامج الإصلاحيين، واستراتيجيتهم السياسية، لا بدّ من إضافة نقطة مهمة وهي أن التغيير السياسي في الأنظمة السياسية الشرق أوسطية التي تحتوي على طبقة حاكمة مثل إيران لم يأت من خلال صناديق الاقتراع، والمساومة، وإنما من خلال عوامل أخرى كالثورات، والانقلابات العسكرية، والتدخلات العسكرية الأجنبية، إنّ وجود مثل هذه القيود الجادّة والأساسية تؤيد فشل الشكل الحالي للمشروع الإصلاحي في تحقيق أهدافه التي وضعها نصب عينيه، وتجاوز هذه القيود يستلزم إعادة النظر بشكل أساسي في أسس البرنامج السياسي وأساليب تنفيذه وتحقيقه.

♦ الإصلاحيون وضرورة تجاوز المصالح السياسية – الاقتصادية المحدودة

على خلاف أجندة الإصلاحيين الواسعة في السنوات الأخيرة، أي منذ يونيو 1997، التي اعتبرت صناديق الاقتراع الخيار الوحيد لممارسة النشاط السياسي، فخلال هذه الأعوام شهدنا، بشكل واضح، العمل الاجتماعي والسياسي الجماعي والمنظم للحركة النسوية، والناشطين البيئيين، والمعلمين، وعمال الصناعة والخدمات، والطلاب والأقليات القومية، وبالطبع لا يمكن مقايسة إنجازات هذه الحركات مع بعضها البعض، لكن ما هو مهم بالدرجة الأولى هو تشكّل هذه الحركات في ظل أشد أنواع القمع والضغوطات الأمنية الدائمة في “الجمهورية الإسلامية”، وفي هذه الأثناء، ورغم أن العمال كانت لهم تجارب جديرة بالاهتمام في تكوين النقابات العمالية المستقلة والمقاومة المنظمة، إلا أنّ الإصلاحيين لم يولوهم أدنى اهتمام.
بعد الحرب العالمية الأولى، حذّر “أنطونيو غرامشي” طبقة العمال في إيطاليا من أنهم يجب أن يرتقوا بمصالحهم النقابية – الاقتصادية، ويتحدوا مع الجماعات الاجتماعية الأقل شأناً، ليتمكنوا من السيطرة على مستويي المجتمع والحكومة، من الممكن أن يوجه البعض اليوم مثل هذه الانتقادات لمجتمع العمال في إيران، ويطلبوا من النشطاء العماليين أن ينضموا إلى حوار الإصلاحيين والمعتدلين كما فعلت الحركات الطلابية والنسوية، وأن يتركوا مبادراتهم في مجال المقاومة.
ما سقط سهواً هنا هو الوضع السياسي – الاجتماعي المختلف كلياً للعمال الإيرانيين عن طبقة العمال التي خاطبها “غرامشي”، فكثير من الأحزاب السياسية، التي كانت تتمتع بقاعدة شعبية واسعة نسبياً، في إيطاليا بعد الحرب، كانت تمثل مصالح طبقة العمال، ابتداء من الاشتراكيين الديمقراطيين، وانتهاء بالشيوعيين، ولم يكن وجود طبقة العمال الإيطالية ملحوظاً على ساحة المجتمع المدني فحسب، بل كان لهم نواب في الحكومة أيضاً، “غرامشي” نفسه كان أميناً عاماً للحزب الشيوعي الإيطالي، وممثلاً عن الشعب في البرلمان، ومع ذلك كان يدعو لتشكيل جبهة قوية ضد الطبقة الحاكمة، يميزها التحالف بين عمال الصناعة الشماليين وفلاحي جنوب إيطاليا.
بينما في إيران اليوم، نرى أن الإصلاحيين هم من يتوجب عليهم تجاوز إطار مصالحهم الاقتصادية – السياسية الضيق، وأن يقتربوا من الحركات الاجتماعية، وهو من جانب يعني الاستفادة من طرق العمل الجماعي، وتأهيل الكوادر المدرّبة، ومن جانب آخر إعادة النظر بشكل جادّ في الأيدولوجيات لتشتمل على مطالب هذه الحركات.
في العقدين الماضيين، وضع الإصلاحيون يدهم في يد الأقلية الحاكمة، وخطوا خطوات متوائمة في طريق التفقير والإضعاف الممنهج للعمال، والنساء، والأقليات الوطنية – القومية، والطلاب، والبيئة، وذلك بانتهاجهم السياسات النخبوية والبرامج الاقتصادية النيوليبرالية، وبطبيعة الحال لا يُنتظر من الإصلاحيين، انتهاج نهج راديكالي وثوري، لكن على الأقل يمكنهم إبداء اهتمام أكبر بظاهرة مثل “برني ساندرز” في أمريكا اليوم، الذي استطاع تمهيد طريقٍ ذي معالم أوضح لكثير من الجماعات الأقل شأناً، من خلال توجهاته الإصلاحية المتزامنة مع رفض النيوليبرالية، والتأكيد على ضرورة تنظيم وتوسعة القاعدة الاجتماعية، وهو طريق تم رصفه من خلال أخذ مصالح الجماعات والطبقات الاجتماعية المختلفة بعين الاعتبار، لا من خلال الوعود الكلية والكاذبة، مثل “المصلحة العامة” و”الأمل”.
يجب على الإصلاحيين أن يتخلوا عن موقف “العالم بجميع الأمور” وعن نظرتهم الأبوية المسيطرة، وأن يتعلموا من تجارب بعض العمال والنساء وسائر الجماعات الاجتماعية – السياسية، إن التواصل، ولو حتى التكتيكي، بين مجروحي القمع والجلد ومهندسي الفكر ضمن الشروط التي ذُكرت، له أهمية حياتية، في غير هذه الحالة، يجب فقط النظر بحسرة ويأس إلى مشاريع الأقلية الحاكمة الناجحة، وانتظار ظهور جديد لمغامرين من أمثال أحمدي نجاد.

المصدر: بي بي سي فارسي 

بهنام أميني
بهنام أميني
محلل سياسي