رئیسي؟ أحمدي نجاد؟ روحاني؟

رئیسي؟ أحمدي نجاد؟ روحاني؟

يبتلع ركودٌ مُحبِط المجتمع الإيراني؛ العجلة الاقتصادية عاجزة عن الدوران، الأمر لا يقتصر على الاقتصاد، بل إن كل الآمال الكبيرة في القطاع الاقتصادي مقيَّدة ومنتظرة. النفسيات مُتعَبة والأجساد متهالكة، كأن إيران لا تزال تعيش الزمهرير، ولا علامة على وصول الربيع.
كنت أراقب المشهد الانتخابي في إيران خلال السنوات العشرين الماضية، ولكنني لم أجد المواطنين -في الفترة القليلة المتبقية لانتخابات الرئاسة- على هذا المستوى من البرودة وعدم المبالاة بالانتخابات.
مع ذلك فإن الأجواء الإعلامية شهِدَت نشاطًا محسوسًا خلال الأيام العشرة الماضية، بالتزامن مع حسم أسماء المرشَّحين الرئيسيين الثلاثة، إذ بدأ الإعلام إجراء مناقشات تفصيلية حول سجلّ المرشَّحين واحتمالات تأييد أو رفض أهليتهم وفرص فوز كل منهم. ويرجِّح الانطباع العام في الوقت الحاضر رفض أهلية حلقة الربيع وانحصار المنافسة الرئيسية بين روحاني ورئيسي، كما أن الأصوات التي سيحصل عليها السيد رئيسي ستكون أقلَّ من تلك التي يحصل عليها السيد روحاني، وهذا أمر واضح إذ لم يحدث شيء خاصّ، وإذا افترضنا أن المعيار هو حجم الأصوات التي ستُدلِي بها الشرائح الاجتماعية ولا شيء آخَر.
لا يهدف هذا المقال إلى تكرار النتائج المذكورة أعلاه أو التدقيق فيها أو نفيها، بل يهدف إلى تبيين الأهداف الاستراتيجية التي يعتمدها المرشَّحون الرئيسيون حول هيكلية وعلاقات السُّلْطة في النِّظام السياسي في البلاد، ومن ثم تقدير رأس المال الاجتماعي وثقل القوى الداعمة لاستراتيجيات الحال واستراتيجيات المستقبل.

1- الأهداف الاستراتيجية
إذا ما نظرنا إلى المشهد الانتخابي من منظور علاقات السُّلْطة فسيبدو واضحًا أن السادة رئيسي وأحمدي نجاد وروحاني يعتمدون ثلاثة برامج انتخابية متباينة تمامًا حول هيكلية السُّلْطة السياسية في البلاد:
– رئيسي والقوى الداعمة له يتبنون نظرة وهدفًا استراتيجيًّا يتمثل في إدماج وهضم مؤسَّسة الرئاسة في مؤسَّسة ولاية الفقيه، ونقل السُّلْطة المطلقة إلى مؤسَّسة ولاية الفقيه. وسيفتح فوز رئيسي في الانتخابات الطريق أمام تغيير الدستور وإلغاء الانتخابات الرئاسية. رئيسي مُعجَب بكيم يونغ أون (رئيس كوريا الشمالية) وصَدَّام حسين (الرئيس العراقي الأسبق)، وهدفه صمت القبور.
– أحمدي نجاد والقوى الداعمة له يتبنون نظرة وهدفًا استراتيجيًّا يتمثل في القضاء على مؤسَّسَتَي ولاية الفقيه ورئاسة الجمهورية، وتحويل نظام الجمهورية الإسلامية الراهن إلى نظام يتمحور حول قائد شعبوي. تسعى هذه المجموعة إلى تطبيق نموذج حكم على غرار النِّظام السياسي لبوتين أو أردوغان أو ترامب.
– روحاني والقوى الداعمة له يتبنون نظرة وهدفًا استراتيجيًّا حول علاقات السُّلْطة في المستويات الأعلى، يتمثل في المصالحة والعيش المشترك والانسجام بين مؤسَّستَي المرشد ورئاسة الجمهورية، في إطار الدستور الحالي، وتقوم هذه الحالة على التفكير المصلحي، ويعني فوز روحاني في الانتخابات استمرارية أسلوب الحكم الرائج خلال الأعوام الأربعة الماضية وفترة رئاسة خاتمي ورفسنجاني.

2- رأس المال الاجتماعي
ستكون النتائج التالية للقراءة التحليلية للمرشَّحين الثلاثة من منظور قواعدهم الشعبية أكثر قَبولًا لدى الخبراء:
– يحظى السيد رئيسي بدعم مُوالِي المرشد كافَّةً، كما أن أصوات الشرائح الاجتماعية المنظَّمة التي سيصوت أغلبها للمرشَّح الذي “أوصى به المرشد” ستذهب إلى رئيسي. أثبتت التجارب السابقة أن القاعدة الاجتماعية التي يحظى بها المرشَّح المدعوم من النِّظام ستشكِّل نسبة تتراوح بين 20 و35 بالمئة من الأصوات الانتخابية. إذا اتحد مُوَالُو المرشد فإنهم سيتمكنون من كسب أصوات كل المقترعين في المجتمَع الأكثر تقليديةً والشرائح الاجتماعية التي تستفيد من الإعانات المالية الحكومية والمؤسَّسات الدينية، وأيضًا سيحصلون على أصوات جزء من الشرائح الاجتماعية الريفية في الأغلب.
– يحظى السيد روحاني بدعم الطبقة الوسطى في المدن وأطياف من المواطنين الذين هم أكثر تجدُّدًا وثراءً من غيرهم. إن الناخبين الذين يصوتون لصالح السيد روحاني يعتمدون في قرار المشاركة من عدمها على معرفتهم الشخصية بالأمور، ويشكِّل موظفو الحكومة والمؤسَّسات الاقتصادية الكبرى والوسط الجامعي والأطياف الثقافية والمثقَّفون وأمثالهم رأس المال الاجتماعي الذي يعوِّل عليه المجلس الأعلى للإصلاحيين لكونهم يدعمون انتخاب السيد روحاني لفترة رئاسية ثانية. لقد أثبتت التجارب السابقة أن حجم الأصوات لصالح المرشَّح المشترَك بين الإصلاحيين والمعتدلين يتراوح بين 40 و60 بالمئة من إجمالي الأصوات.
– يعوِّل السيد أحمدي نجاد على الدعم المحتمَّل للطبقة المحرومة في المدن والقرى، أي أولئك الذين هم الأكثر حرمانًا وابتعادًا عن النِّظام. تضمُّ هذه الشريحة أطيافًا واسعة من سكان المناطق المحيطة بالمدن والقرى، ولا تعيش هذه الفئة تحت مظلة النِّظام، وليس لديها تَصَوُّر واضح عن أسباب حرمانها. هذه الفئة أنظارها شاخصة إلى تَلَقِّي الدعم من الجهات العليا، ولكنها محرومة من نعماتها. هؤلاء سيرجِّحون السيد أحمدي نجاد على رئيسي وروحاني إذا سنحت لهم هذه الفرصة. لا يوجد ما يمكن الاستناد إليه في التكهُّن بحجم الآراء المحسومة لحلقة الربيع (أحمدي نجاد وبقائي ومشائي)، فعندما تتغلب الأزمة السياسية ويضعف حجم التحكم المركزي على دخول المرشَّحين إلى المنافسة الانتخابية لأي سبب كان، ممَّا يؤدِّي إلى خوض مرشَّحين آخرين المنافسة الانتخابية، فحينها لم يبتلع أحمدي نجاد حجمًا كبيرًا للغاية من الأصوات المحسومة لرئيسي لصالحه فحسب، بل إنه سيكسب أيضًا حجمًا كبيرًا من الأطياف اليائسة التي لم تكُن تعوِّل على الانتخابات مُطلَقًا. كما أن النظرة التي يمثلها أحمدي نجاد ستتحول بكل سهولة إلى رائدة منتصرة للفكر الشعبوي المتطرف في إيران، بسبب الشرخ الذي من المرجَّح للغاية حدوثه بين الطيف المعتدل للإصلاحيين، ما يؤدِّي إلى الانقسام بين نهج معتدل ونهج متطرف في هذا التيَّار.

3- سؤالان مُهِمَّان
لقد كُتب هذا التحليل قبل تقديم قائمة نهائية للمرشَّحين وقرار مجلس صيانة الدستور حولهم، ولكن تركيبة القوى الحقيقية الحاضرة في المشهد السياسي حتى الآن لا تعكس أي مؤشِّرات على الأزمة في رأس النِّظام السياسي وفِقدَان السُّلْطة المركزية قدراتها على التحكُّم في الأمور. وأعتقد أن معظم الخبراء والمراقبين بِناءً على هذه المعطيات يتكهَّنون بأن مرشَّحي حلقة الربيع سيُرفَضون بالكامل، إذ ستكون المنافسة الرئيسية بين رئيسي وروحاني. لذا يمكن القول إنه استنادًا إلى التجارب السابقة وبناءً على معرفتنا بأقصى ما يمكن للتيَّار الموالي للمرشد والطيف المعتدل للتيَّار الإصلاحي الحصول عليه من آراء، وأيضًا بناء على معرفة الشعب بطبيعة رئيسي وروحاني، وفي حال عدم حدوث ظرف خاصّ، فعندها من غير المتوقَّع أساسًا أن يكون الرئيس القادم شخصا آخر إلا الرئيس الحالي.
ولكن النتيجة المذكورة أعلاه ستقودنا إلى سؤالين مهمَّين:
1- إذا لم يكُن للسيد رئيسي حظوظ كبيرة للفوز بالانتخابات، فكيف جاء به الموالون للمرشد؟ أليس رئيسي مرشَّحهم المقبول لخلافة السيد خامنئي، وهَضْم مؤسَّسة رئاسة الجمهورية في مؤسَّسة المرشد؟ إذا كان هؤلاء يعلمون أن رئيسي يُهزم على الأرجح أمام روحاني، فلماذا لم يقدِّموا المرشَّحين الذين ليس لديهم حظوظ لخلافة المرشد؟
2- إذا كان أحمدي نجاد واثقًا من رفض أهليته فلماذا قدم أوراقه للترشُّح في الانتخابات. ألا يقضي رفض أهليته على حظوظه في أن يكون على رأس تحرُّك احتجاجيّ شعبويّ؟ يمكن القول إن تَرَشُّح السيد رئيسي والظهور المفاجئ للسيد أحمدي نجاد إشارات للبدء في مسار محبوك بعناية يجري من وراء الستار في النِّظام السياسي للبلاد، وبناءً عليه فإن العلاقات بين المرشد والموالين له على وشك تحوُّل تاريخي على الرغم من كل الجهود للحيلولة دون ذلك.
الأصوليون الذين أعتبر أن تسمية “الموالين للمرشد” أكثر تعبيرًا عنهم بحاجة إلى الاستناد إلى شخص المرشد للحفاظ على وحدة صفوفهم، وهذا أمر لا مفر منه بالنسبة إليهم. غياب دعم المرشد البارز لهم سيُفقِدهم انسجامهم وتنظيمهم السياسي وسيشلّهم. عندما يقدِّم المرشد الدعم لهم فهو -لا محالة- ينقص من مكانته مرشدًا للنظام إلى مستوى زعيم تيَّار سياسي، ويحِّيل نفسه إلى منافس للتيَّار المعتدل/الإصلاحي. ليس بوسع السيد خامنئي فعلًا بعد ما وقع في 2009 وسير الأحداث بعد ذلك أن يدخل الساحة لصالح الموالين لنهجه دون أن يتفادى الصِّدَام مع سائر القوى في النِّظام. يقترب المرشد من نقطة الانهيار بسبب الشرخ بين مصالح الموالين لنهجه والالتزام بواجبه مرشدًا. هذا الشرخ هو العامل الرئيسي في حالة التشتُّت والتخبُّط في صفوف الموالين لنهج المرشد.
ينبغي عدم الشَّكِّ في هذه المسألة، أن تيارًا على الأقلِّ من الموالين لنهج المرشد يرون أن السيد رئيسي لا يعاني “نقاط الضعف” التي يعانيها السيد خامنئي. تعتقد هذه الفئة أن رئيسي يتمتَّع بـ”شخصية حازمة” مستعدَّة لتجاهل كل شيء حتى ضميره ومصالح البلاد في سبيل الحفاظ على السُّلْطة، ولقد أثبت رئيسي عدة مرَّات أنه قادر على ذلك منذ الثمانينيات حتى الآن. وبما أن رئيسي هو صاحب “الطاقات الضرورية” لخلافة المرشد، فهو يحظى بمكانة متقدمة في قائمة الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية، ولا أشكّ أنه لو لم تكن هذه “الطاقات” في رئيسي لَمَا تَمتَّع بهذه المكانة للترشُّح في الانتخابات الرئاسية عن طيف الموالين لنهج المرشد، ولم تكُن أصلًا مكانته أقوى من قاليباف وقاسمي وجليلي للترشُّح للانتخابات.
إن الظروف التي يمرُّ بها معسكر السُّلْطة ومعقل “سياسة المقاومة” في مشهد وتصرُّفات السيد خامنئي الذي يجد صعوبة في التزام الحيادية، تجعل الموالين للمرشد مضطرين وراغبين في أن يبحثوا عن مرشد آخر ويصطفُّوا وراءه للتخلُّص من حالة التشتُّت الراهن. ويشعر هؤلاء بقلق من احتمال أن تقود تصرُّفات الراعي قاعدته الشعبية والمقترعين الموالين له، أي الملايين من الخراف الأبرياء والمطيعين، إلى الوقوع في فخّ وعود ذلك الذئب الماكر خلال العبور من الممرات الجبلية الصعبة.
الموالون لنهج المرشد يخشون ترشُّح أحمدي نجاد أكثر من القلق بشأن ترشُّح روحاني. روحاني لا يتعدى على الموالين لنهج المرشد، ويطالب دائمًا بالمصالحة و”تقسيم السُّلْطة”، كما أن قاعدة روحاني الانتخابية منفصلة تمامًا عن القاعدة الانتخابية لموالي نهج المرشد.
يعي أحمدي نجاد المكانة الاجتماعية المتزلزلة لرئيس الجمهورية، وعجز المرشد عن التزام الحياد، وهو يعلم أنه لا يمكن ملء بطون الشعب الذي جرى التخلِّي عنه، لا من خلال الطحين المهدى من الإمام الرضا، ولا من خلال وعود عرقوب أطلقتها الحكومة والأجهزة الإدارية. أحمدي نجاد يحسبها هكذا، إذا كانت الاتجاهات الشعبوية في القوى الكبرى مثل أمريكا وروسيا تتمتَّع بقاعدة شعبية كبيرة، وعلى صعيد المنطقة إذا كان ما يعرضه أردوغان الأكثر مبيعًا في تركيا، فإن شعارات أحمدي نجاد الانتخابية ستجلب دعم الطبقة المحرومة في إيران له، سواء رفضه مجلس صيانة الدستور أم أيَّده في حال ضعف قدرة المرشد على التحكُّم في السُّلْطة أو في حال انتشرت مظاهر فشل الحكومة الحالية.

4- بعيدًا قليلًا عن الأفق المنظور
لذا فإن المشهد السياسي في الأمد القصير في البلاد واضح إلى حدّ ما. ستكون نتيجة الانتخابات هي ذاتها التي نتوقعها كلنا، طبعًا في حال عدم حدوث أمر مفاجئ: فوز روحاني بفترة رئاسية ثانية.
إن الأوضاع الراهنة وتوازن القوى الهَشّ حُبلَى بالأحداث. ليست أي مؤسَّسة وأيّ من التيَّارات التي تتمتع بالسُّلطة في وضع يسمح بالتمسك بالسُّلْطة الكاملة والحكم بشكل منفرد. إن التحليلات المتطرَّق إليها في الماضي حول أن “المرشد هو الممسك بزمام كل الأمور” و”الحكومة ليس بيدها حيلة” و”عدم تأثير المجتمع المدني والشعب” في طريقها إلى الأرشيف. قد تكون إيران متجهة إلى الأزمات السياسية الداخلية لأسباب داخلية وخارجية. يشكِّل التحليل الواقعي حول المسارات هذه القناعة فينا، بأنه ما من طريق تستطيع البلاد العبور منه دون أن تواجه مشكلات.
وتبقى أذهاننا من اليوم حتى 19 مايو مشغولة بمعرفة الأهداف الاستراتيجية التي يعتمدها المرشَّحون الرئيسيون لإدارة البلاد. أظن أن الخيارات الحقيقة هي:
1- دعم رئيسي في الانتخابات الرئاسية -سواء فاز فيها أم لا- بهدف رفع حجم مشاركته الاجتماعية وتوفير الأرضية لارتقائه إلى مكانة وليّ الفقيه وإعطائه السلطات كافة.
2- دعم أحمدي نجاد بهدف تحويله إلى شخصية “المنقذ” وإعطائه السلطات كافة وإزالة شِقَّي الجمهورية والولاية، ودعم أحمدي نجاد المطلق سواء أُيِّدَت أهليته أم رُفِضَت.
3- دعم روحاني والاستمرار في تقسيم السُّلْطة بين الولاية والجمهورية وتوسيع نطاق مناخ المصالحة والتعامل والتسامح والمصالحة في الدولة والمجتمع.
إذا سمحنا لتصوراتنا بالتحليق إلى فضاء أبعد من الأفق المنظور، فإننا لا نجد أيضًا تيَّارات قوية أخرى تعتمد مشروعات استراتيجية أخرى غير الاستراتيجيات الثلاث التي ذكرناها سابقًا. إن الأحلام لا تُحصَى منذ الآن وإلى الأبد، ولكنني أستبعد أن تكون الخيارات الواقعية غير الخيارات الثلاثة المذكورة أعلاه.

مادة مترجمة عن موقع زيتون


الآراء الواردة في المقال تعبر عن وجهة نظر كاتبها، ولا تعكس بالضرورة رأي المركز

تعليقات (0) إرســال التعليق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.*

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*

x
تطبيق مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية
مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية
حمل التطبيق من المتجر الان