فرنسا وإيران: التسوية التي لا تقبل المساومة

فرنسا وإيران: التسوية التي لا تقبل المساومة

استكمالًا للدعوة التي وجَّهها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الأحد 12 نوفمبر إلى إيران لإجراء حوار بشأن صواريخها الباليستية، أعلنت المتحدثة باسم الخارجية الفرنسية أنيس إسباين بالأمس رغبة فرنسا في إجراء حوار مع إيران حول برنامجها الصاروخي بعيدًا عن الاتِّفاق النووي، ووصفته بأنه حوار “صريح لا يقبل المساومة”.

فرنسا ترى أن الأزمات التي تسبِّبها إيران على المستويين الدولي والإقليمي يمكن تقسيمها إلى عدة عناصر: منها ما يمكن إرجاؤه مثل تمديد الاتِّفاق النووي والعمل على عدم استئناف إيران برامجها النووية، ومنها ما يحتاج إلى معالجة فورية وحاسمة وهو موضوع الصواريخ الباليستية، بخاصة بعد استهداف المتمردين الحوثيين العاصمة السعودية بصاروخ باليستي إيراني الصنع.
لدى إعلان ماكرون دعوته إلى مباحثات بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني، واجه عاصفة من الرفض الإيراني شارك فيها جميع المسؤولين الإيرانيين، المحافظين منهم والإصلاحيين، كأنهم في معرض إثبات وطنيتهم من خلال تَمسُّكهم ببرنامجهم الصاروخي، لكن تكرار الدعوة ووضع اسم مؤطّر للدعوة الفرنسية واتخاذها شكل المبادرة يُوحِي بأن الخارجية الفرنسية ستواصل مساعيها لإقامة هذا الحوار، وإن رفضت إيران مبدئيًّا، ولعلّ فرنسا تستخدم في هذا أوراق ضغط دولية وأخرى خاصة بها.

▪ لماذا فرنسا هي المبادِرة؟
على مدار العامين اللذين مرَّا على توقيع الاتِّفاق النووي نجحت الشركات الفرنسية في عقد سلسلة من الاتِّفاقات الاقتصادية مع إيران في مجالات النفط والغاز والطيران المدني وصناعة السيارات بعشرات المليارات من الدولارات، بحيث أصبحت إيران ورقة هامَّة تعوِّل عليها فرنسا لإنعاش أوضاعها الاقتصادية، ومع إصدار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استراتيجية التعامل مع إيران، ووقوفه على أعتاب إلغاء الاتِّفاق النووي وإعلان الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، رأت فرنسا أن استثماراتها والعقود السخية التي حصلت عليها مهدَّدة بالخطر، وأنها لن تملك حينها الخروج على القرارات الأمريكية، وقد تدفع شركاتها غرامات ضخمة كما حدث مع شركة “توتال”، عملاق النفط الفرنسي، عندما انتهكت العقوبات الأمريكية على إيران ودفعت 400 مليون دولار غرامة في عام 2013م، لذلك تسعى فرنسا لعدم الوصول في ما يتعلق باستثماراتها في إيران إلى وضع ما قبل عام 2015م، فجاء تحذير فرنسا لإيران من مواصلة برنامجها الصاروخي حتى لا تتعرض لعقوبات جديدة، بخاصة أن البرنامج الصاروخي يخالف قرار مجلس الأمن رقم 2231، ومفاده أن “على إيران عدم إجراء تجارب على الصواريخ الباليستية التي من الممكن أن تحمل رؤوسًا غير تقليدية”.

▪ رفض إيراني وصمت للاتِّحاد الأوروبي
جاء الرفض الإيراني مستخدمًا مبرِّرات عِدَّة، أبرزها أن البرنامج الصاروخي الإيراني برنامج دفاعي صرف، وأن الشؤون الدفاعية غير قابلة للتفاوض، بجانب أنهم لا يقبلون إضافة بنود إلى الاتِّفاق النووي، أو الانتقاص منه. جاء الرفض الثاني للمبادرة الفرنسية من فردريكا موغيريني منسقة السياسة الخارجية للاتِّحاد الأوروبي التي اعتبرت أن هذه المبادرة سوف تعرِّض الاتِّفاق النووي للخطر، وهو الاتِّفاق الذي تَوَصَّل إليه المجتمع الدولي مع إيران بصعوبة بالغة. موقف موغيريني يبيِّن مدى قربها من النظام الإيراني، الذي تعكسه صورتها الشهيرة حين التقطت صورة سيلفي مع أعضاء البرلمان الإيراني داخل مقرّ البرلمان، والعلاقات القوية التي بنتها مع روحاني وظريف عبر سنوات طويلة من التفاوض حول الاتِّفاق النووي، فضلًا عن الإفصاح عن الموقف المستقبلي للاتِّحاد الأوروبي من الاتِّفاق النووي في حالة إقدام الولايات المتحدة على إلغائه، أو تصعيد العقوبات على إيران، رغم تجاهل الاتِّحاد الأوروبي هذه النظرة إلى الأوضاع الإقليمية المتردية التي تتسبب فيها إيران، وتجعل موقف الاتِّحاد يأخذ منحًى بعيدًا عن توجُّهات الدول الأعضاء به، فضلًا عن التباعد عن الموقف الأمريكي، مما قد يجعل الدول الإقليمية المتضررة من السياسات الإيرانية وصواريخها تتخذ مواقف من الدول الأوروبية ومؤسَّسات الاتِّحاد قد تضرّ المصالح الأوروبية في المنطقة.
الرفض الثالث جاء من الولايات المتحدة الأمريكية في شكل اللا تعليق، ربما إيمانًا منها بأن الردّ الإيراني على كل المبادرات بشأن الاتِّفاق النووي أو حتى البرنامج الصاروخي سيكون الرفض، ما لم تتعرض لضغوط قوية وحقيقية.
لقد فضلت القوى الإقليمية بالشرق الأوسط وعلى رأسها المملكة العربية السعودية إتاحة الفرصة للمبادرات الفرنسية لعلها تنجح في معالجة الموقف الإيراني، بخاصة أن دعوة ماكرون للتفاوض بشأن البرنامج الصاروخي الإيراني جاءت في أثناء زيارته دبي، بهدف نزع فتيل الأزمة التي على وشك الحدوث قبل إجراء تصويت الكونغرس الأمريكي 13 ديسمبر المقبل، على تمديد العمل بالاتِّفاق النووي، خصوصًا بعد رفض ترامب التوقيع على التجديد الدوري الخاص بإعلان الولايات المتحدة التزام إيران ببنود الاتِّفاق النووي يوم 13 أكتوبر 2017م، إذ من المقرَّر أن يصوِّت الكونغرس على مدى التزام إيران بالاتِّفاق النووي بعد مرور 60 يومًا على امتناع ترامب، وهو الأمر الذي من الممكن أن يؤدي إلى إعلان الولايات المتحدة الانسحاب من الاتِّفاق النووي، ومن ثم تحتاج إيران والولايات المتحدة وجميع الأطراف المعنية بالاتِّفاق النووي الإيراني إلى تلك المبادرة الفرنسية المرفوضة من الجميع للخروج من أزمة سوف تُشعل الوضع الدولي والإقليمي بحلول الثالث عشر من ديسمبر القادم.

تعليقات (0) إرســال التعليق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.*

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*

x
تطبيق مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية
مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية
حمل التطبيق من المتجر الان