(السُّودان ونَيجِيريا نموذجَين)

الوجود الإيراني في إفريقيا.. الدوافع والأهداف

الوجود الإيراني في إفريقيا.. الدوافع والأهداف

♦ المقدِّمة
يرجع الانفتاح الإيراني على إفريقيا إلى فترة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، الذي أَوْلى القارة السمراء اهتمامًا كبيرًا، وذلك بعد زيارته السُّودان عام 1991، أي بعد عامين من إطاحة عمر البشير بحكومة الصادق المهدي.
مثَّلَت زيارة رفسنجاني للسُّودان، دعمًا كبيرًا لحكومة البشير التي كانت تعيش حالةً أشبه بالعزلة جرَّاء الحصار الذي يفرضه عليها المجتمع الدولي.
وبالنسبة إلى إيران، فقد كانت هذه الزيارة إيذانًا بعصر جديد في عَلاقاتها مع إفريقيا، ونقطة انطلاق لتوسيع دائرة اهتمامها بهذه القارة، إذ تَمدَّد هذا التوسُّع ليشمل دولًا إفريقية أخرى مثل جنوب إفريقيا وكينيا وتنزانيا وزيمبابوي وأوغندا ونَيجِيريا والنيجر والكاميرون والسنغال وجزر القمر والصومال وجيبوتي وغانا.
كانت إفريقيا ضمن أجندة كلِّ من تَعاقَب على الرئاسة في إيران، فبعد زيارة رفسنجاني للسُّودان، التي أردفها بزيارة أخرى في 1996، جاءت زيارات محمد خاتمي لعدد من الدُّوَل الإفريقية، التي أعطَت دفعة جديدة للعَلاقات مع هذه الدُّوَل من خلال تأسيس أُطُر ولجان مشتركة ألقى على عاتقها مَهَمَّة متابعة الاتفاقيات بين إيران وهذه الدول، وبعده محمود أحمدي نجاد الذي أجرى هو الآخر عدة زيارات لإفريقيا اتَّسَمَت بطابع آيديولوجي في أغلبها[1]، مرورًا بالرئيس الحالي حسن روحاني الذي أوفد وزير خارجيته محمد جواد ظريف في عدد من الزيارات لشرق إفريقيا في شتاء 2014، وزيارة أخرى إلى دول شمال إفريقيا في صيف 2015، إضافة إلى جولته الأخيرة في دول غرب إفريقيا في شهر يوليو 2016، ولعلّ هذه الزيارات المتعاقبة تعكس رغبة النظام الإيراني في المضي قُدُمًا في توطيد عَلاقاته مع أكبر عدد من الدُّوَل الإفريقية.
ظهرت هذه الزيارات المتعاقبة للمسؤولين الإيرانيين، في شكل لجان مشتركة بين هذه الدُّوَل وإيران، وأسفَرَت عن معاهدات ثنائية واتفاقيات في مجالات إنشاء السدود وصناعة السيارات والطاقة والشؤون المالية والمصرفية، إضافة إلى التعاون الثقافي والتعليمي، كما قدَّمَت إيران وعودًا اقتصادية جاذبة اضطَرَّت من خلالها كثيرًا من الدُّوَل الإفريقية إلى تقديم تنازلات في مَلَفَّات استراتيجية وأمنيَّة.
اختلفت دوافع النظام الإيراني من وراء التغلغل في إفريقيا من بلد إلى آخَر، بين اقتصادية وسياسية ودينية، ولتحقيق أهدافه في هذه القارة كان لا بد له البحث عن مناطق استراتيجية ينطلق من خلالها ويستخدمها مسارًا رئيسيًّا لبلوغ الأهداف المنشودة، فكان التركيز على السُّودان ونَيجِيريا بشكل واضح، وذلك لما يتمتَّع به هذان البلدان من ميزات قلّ أن توجد في بقية دول المنطقة.
وكان لهذا الانفتاح والتركيز الإيراني الكبير على السُّودان ونَيجِيريا، أثر سلبي على النسيج الاجتماعي والثقافي لهاتين الدولتين، كما انعكس سلبًا على عَلاقة السُّودان بمحيطة العربي، لذا فإن السؤال الأساسي لهذه الدراسة هو:
ما أهم أسباب ودوافع الوجود الإيراني في السُّودان ونَيجِيريا؟

 دوافع التركيز الإيراني على السُّودان ونَيجِيريا
– بسبب الموقع الجيو-ستراتيجي الذي يتمتَّع به السُّودان أَوْلَت إيران هذا البلد أهمية كبيرة، لأنه يقع في الفناء الخلفي للعالَم العربي، وفي الوقت نفسه يُعتبر السُّودان البوابة الشرقية لإفريقيا، لذا سعت إيران لتجعل منه مُنطَلَقًا لنفوذها على بقية الدُّوَل الإفريقية.
– إيران والسُّودان يقفان في مربَّع واحد في مواجهة الضغوط الأمريكية.
– بعد انتصار ما يسمى “ثورة الإنقاذ” في 1989م ومجيء عمر البشير إلى سُدَّة الحكم، تَكشَّف للعالم التوجُّه الإسلامي للنظام الجديد في السُّودان، فبادرت إيران إلى احتوائه ودعمه باعتباره نظامًا إسلاميًّا مماثلًا لها في الطرح رغم اختلاف المذاهب، لهذا السبب وجدت إيران في نظام عمر البشير الحليف العربي الوحيد الذي يشاطرها الرؤى الآيديولوجية.
– أما نَيجِيريا فتكتسب أهمية خاصَّة في عَلاقات إيران بدول غرب إفريقيا، فنَيجِيريا بها كثافة سكانية عالية، وأكثر من نصف سكانها من المسلمين، كما تتمتع بأهمية استراتيجية واقتصادية باعتبارها من أهمّ الدُّوَل المنتجة للنِّفْط في القارة.
– في نَيجِيريا مناصرون للنظام الإيراني ومتعاطفون معه، فضلًا عن وجود آلاف الشِّيعَة الذين تَأَثَّروا بحركة التشيُّع التي تَبَنَّتْها إيران بعد انتصار الثورة.
تفترض هذه الدراسة أن نشر المَذْهَب الشِّيعِيّ من أهمّ الأهداف التي تسعى إيران لتحقيقها في السُّودان ونَيجِيريا.

♦ سُبُل نشر المَذْهَب الشِّيعِيّ في السُّودانَ ونيجِيريا
1- السفارات.
2- المراكز الثقافية.
3- الحرس الثوري.
4- الشركات والمؤسَّسات.
5- رجال الدِّين.

أولًا: الوجود الإيراني في السُّودان.. أهدافه وآثاره
بعد وصول عمر البشير إلى الحكم في 30 يونيو 1989، شهِدَت العَلاقات السُّودانية الإيرانية تقارُبًا كبيرًا، وصل إلى حدّ التحالف الاستراتيجي في كثير من الملفات، وقد أثارت هذه العَلاقة اهتمام العالَم العربي عمومًا، ودول الخليج على وجه الخصوص.
تُوِّجَت عَلاقات البلدين بتبادل الزيارات بين الرؤساء، فأجرى الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني زيارتين إلى السُّودان في عامَي 1991م و1996م، كما زار محمد خاتمي الخرطوم في 2006 ضمن جولة إفريقية، ثم جاءت زيارة محمود أحمدي نجاد إلى الخرطوم في عامَي 2008 و2011.
أما الرئيس السُّوداني فقد سجَّل هو الآخر عددًا من الزيارات لإيران، بداية بزيارته الأولى سنة 1997 للمشاركة في قِمَّة المؤتمر الإسلامي، ثم زيارته الثانية سنة 2006[2].
كانت إيران -ولا تزال- ترى أن السُّودان يمثِّل مدخلًا إلى الدُّوَل الإفريقية والعربيَّة، وكان المسؤولون الإيرانيون دائمًا ما يؤكدون في تصريحاتهم عن السُّودان أنه بوابة تصدير الثورة، إذ وصف وزير الدفاع الإيراني السابق مصطفى محمد نجار، السُّودان بأنه “حجر الزاوية في الاستراتيجية الإيرانية بالقارة الإفريقية”[3].
ورغم تَعارُض المرجعية الفقهية والتاريخية للبلدين، اضطُرَّت الحكومة السُّودانية إلى التعاطي ببراغماتية في سياستها الخارجية تجاه إيران، وذلك بسبب حاجتها إلى العون العسكري والسياسي والمالي.
لذا فإن العامل الحقيقي الذي فرض على السُّودان آنذاك التعامل مع إيران كان الاستهداف الخارجي المتمثِّل في الضغوط الأمريكية والأوروبية على حكومة البشير، إذ كان النظام السُّوداني يرى أن إيران تمثِّل طوق نجاة له في ظلّ الحصار الاقتصادي والسياسي المفروض عليه، بعد إدراج السُّودان ضمن قائمة الدُّوَل الراعية للإرهاب، واتهامه بدعم الحركات الراديكالية ومحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك عام 1995 في أديس أبابا.
وبسبب الحرب الأهلية التي يشهدها السُّودان، سعت حكومة البشير للاستفادة من الخبرات العسكرية الإيرانية، بدلًا من التقيُّد باستخدام السلاح الروسي، فضلًا عن طموحه إلى الاستفادة من الدعم الإيراني في تخفيف وطأة الديون الخارجية، لكن لاحقًا أصبحت الديون السُّودانيَّة لإيران أكبر وسيلة تستغلُّها طهران للضغط على الخرطوم في سبيل تحقيق أهدافها فيه[4]، وظلَّت هذه الديون تشكِّل عَقَبَة كبيرة أمام قيام عَلاقة اقتصادية أكبر، إذ تَعَسَّر السُّودان في دفع الديون، وحاول جدولتها وسدادها، إلا أن طهران ظلَّت تشترط دفع هذه الديون قبل تنفيذ أي مشروعات جديدة.
عملت إيران منذ بداية انفتاحها على السُّودان، على نشر المَذْهَب الشِّيعِيّ كأولوية لاستراتيجيتها في هذا البلد، عبر مؤسَّساتها الدِّينية ومراكزها الثقافية في الخرطوم.
ويتمثل دور الملحقيات والمراكز الثقافية بمجالات الآداب والفنون، في التعريف بالبلد وثقافته وموروثاته ومعالمه السياحية والحضارية، ولكن إيران انحرفت بهذه المراكز عن غرضها الدبلوماسي والثقافي المُعلَن، فصارت منصَّات للترويج للأفكار والكتب ذات الصلة بالمَذْهَب الشِّيعِيّ، كما اجتهدت هذه المراكز طوال السنوات الماضية، في تعميق العَلاقات الثقافية مع كل الجهات ذات الصلة بالجوانب الثقافية، مثل الصحف والجامعات والمكتبات العامة ووزارة الإرشاد والأوقاف، واتحادات المرأة والشباب والطُّلَّاب، وتنظيم احتفالات ذات طابع شِيعِيّ، مثل الاحتفال بمولد الإمام الرضا، وميلاد السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وذكرى كربلاء، وغيرها[5].
وتمكنت هذه المراكز من استخراج إعفاءات جمركية، مستفيدةً في ذلك من الاتفاقيات المبرمة بين البلدين، لإدخال الكتب والأشرطة المسموعة والمرئية، وقد نشرت ووزَّعَت منها كمِّيَّات كبيرة على المتصوِّفة والطُّلَّاب والمعاهد الدِّينية بالسُّودان.
أسهمت هذه المراكز التي كان يديرها في أغلب الأوقات رجال دين، في اعتناق عدد كبير من السُّودانيين المَذْهَب الشِّيعِيّ، بعد تغلغلها وسط الشباب والطُّلَّاب والمثقَّفين ورجال الطرق الصُّوفِيَّة.
فعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية دقيقة لأعداد الشِّيعَة في السُّودان، فإن التقديرات غير الرسمية تشير إلى وجود ما بين 10 و12 ألف شيعي. وطبقًا لتقديرات أخرى غير رسمية أيضًا تفيد بأن عدد الشِّيعَة في السودان بلغ 13 ألفًا عام 2013، فإن البعض يشكّك في هذه النِّسْبَة ويحصر الشِّيعَة السُّودانيين في عدد لا يتجاوز ثلاثة آلاف شخص.
ويُعَدّ انتشار الحُسَيْنِيَّات الشِّيعِيَّة في عدد من المناطق بالسُّودان، لا سيما في العاصمة الخرطوم، مَلْمَحًا آخَر لازدياد حركة التَّشَيُّع، إذ وصل عددها في الآونة الأخيرة إلى ما يقرب من ۱٥ حسينية، وفقًا لتقديرات غير رسمية، فضلًا عن سيطرة الشِّيعَة على عدد من المساجد والزوايا في مختلف أرجاء الدولة[6].
ولتدعيم أواصر التعاون مع الحكومة السُّودانية، قدَّمَت إيران مساعدات عسكرية وأبرمت عددًا من الاتفاقيات مع حكومة البشير، وبلغ التعاون العسكري الكثيف بين البلدين حَدَّ توقيع معاهدة تعاوُن عسكري عام 2008م، وبناء مصنع لإنتاج الأسلحة والذخيرة بالسُّودان، في استغلال إيراني لحاجة الحكومة الماسَّة إلى السلاح في حربها ضدّ الحركات المسلَّحة في جنوب السُّودان (قبل الانفصال)، ودارفور ومنطقتَي النيل الأزرق وجنوب كردفان.
أما على المستوى الاقتصادي فقد وقَّع رؤساء البلدين خلال الزيارات المتبادلة، اتفاقياتٍ في مجالات التصنيع النِّفْطي والغاز، كما اتُّفِق على فكرة إنشاء صندوق مشترك للاستثمار بمبلغ 200 مليون دولار، بالإضافة إلى إعلان إيران استعدادها للتعاون في مجالات الزراعة والطاقة وبناء المَحَطَّات الحرارية وتنفيذ مشروعات المياه والصحة وخطوط إنتاج السيارات والنقل وتجميع السيارات والجرارات الإيرانية بمصانع “جياد” السُّودانية لصناعة السيارات[7].
لم تستفِدْ حكومة البشير اقتصاديًّا من فتح الباب على مصراعيه لإيران، فلم يُنَفَّذ معظم هذه الاتفاقيات على أرض الواقع، واكتفت إيران بتنفيذ عدد محدود من الاتفاقيات التي تخدم مصالحها وأهدافها في السُّودان.
هذا التعاون الاقتصادي المحدود لم يكُن ليُقلِق الدُّوَل العربيَّة أكثرَ من التعاون الأمني والثقافي الذي اتَّسَع بصورة واضحة في السنوات الأخيرة، فقد شهِدَت هذه الفترة رُسُوّ السفن الحربية الإيرانية في المواني السُّودانية بذريعة تبادُل الخبرات مع القوات البحرية السُّودانية، إضافةً إلى سعي إيران لإنشاء مِنَصَّة دفاعية على السواحل السُّودانية[8]، هذه الخطوة اعتبرها كثير من الدوائر محاوَلةً إيرانية لاستعراض قوَّتها وإرسال رسائل سالبة ومستفزة للدول العربيَّة، الأمر الذي انعكس سلبًا على حكومة البشير وزاد عزلتها عربيًّا.
أما نقطة التحوُّل في العَلاقة بين البلدين فكانت بعد طرد السُّودان الملحق الثقافي الإيراني، وإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية، بحُجَّة أن هذه المراكز باتت تنشر المَذْهَب الشِّيعِيّ بين مواطنيه، وأعلنت وزارة الخارجية السُّودانية أن تلك المراكز تجاوزت التصديق الممنوح لها، وغَدَت تشكِّل تهديدًا على “الأمن الفكري والاجتماعي في السُّودان”.
جاء ذلك بعد أن أدركت الحكومة السُّودانية أن الوجود الإيراني في البلاد بات يشكِّل خطرًا حقيقيًّا على النسيج الاجتماعي للبلاد جَرَّاء جهود نشر المَذْهَب الشِّيعِيّ.
كما مثَّل التدخُّل الإيراني ومحاولات تَمَدُّده في الدُّوَل العربيَّة ودعمه الحوثيين في اليمن، إضافة إلى اقتحام سفارة المملكة العربية السعودية في طهران، وقنصليتها في مدينة مشهد، فرصة مناسبة للحكومة السُّودانية لقطع عَلاقاتها السِّياسِيَّة مع إيران.
ورغم موقف الحكومة الأخير من الوجود الإيراني وإغلاقها المراكز الثقافية الإيرانية، يرى البعض أن صحوتها جاءت متأخرة ولم تكُن على المستوى المطلوب، كما اتَّهَمَت هذه الجهاتُ الحكومةَ بعلمها المسبق بالنشاطات التي كانت ترمي إلى نشر المعتقد الشِّيعِيّ، إلا أنها لم تتحرك في الوقت المناسب للتصدِّي لها.

ثانيًا: الوجود الإيراني في نَيجِيريا.. أهدافه ونتائجه
أما العَلاقات النَّيجِيرية الإيرانية فتشبه إلى حدّ كبير عَلاقات الأخيرة مع السُّودان فقد عملت إيران على إبرام عدد من الصفقات مع الحكومات النَّيجِيرية المتعاقبة، مع التركيز على البعد الثقافي المتمثِّل في بناء المساجد وتشييد المدارس الدِّينية، في محاولة منها لتهيئة الأرضية للوصول إلى هدفها الرئيسي، وهو نشر المَذْهَب الشِّيعِيّ وسط المجتمع النَّيجِيري، عبر تنشيط أذرُعَها المباشرة والخَفِيَّة، مستغِلَّة في ذلك الموالين لها والمتعاطفين معها من النَّيجِيريين.
تمثِّل نَيجِيريا واحدًا من أكبر تجمعات المسلمين في غرب إفريقيا، إذ تبلغ نسبة المسلمين فيها أكثر من 55%، أغلبهم من السُّنَّة، وفي الولايات الشمالية لا سيما في كانو وكادونا وزاريا أقلية شِيعِيَّة خاصَّة، أغلبها من المتأثرين بإيران.
أسهمت المساعي الإيرانية خلال السنوات الماضية في تَشيِيع أعداد كبيرة من النَّيجِيريين، ويعتبر زعيم الشِّيعَة النَّيجِيريين إبراهيم زكزاكي من أبرز الموالين لإيران والمدافعين عن مشروعها لنشر التَّشَيُّع في بلاده.
دخل الإسلام نَيجِيريا في القرن الثامن الهجري، وظلت -ولا تزال- مَالِكِيَّة المَذْهَب، لكن في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي بدأ مجموعة من الشباب اعتناق المَذْهَب الشِّيعِيّ، منهم إبراهيم زكزاكي الذي تَخَرَّج في جامعة أحمد بيلو[9]. تَأَثَّرَ زكزاكي بالمَذْهَب الشِّيعِيّ بعد قراءته الترجمات الإنجليزية للكُتُب الشِّيعِيّة التي كانت توزِّعها السِّفارة الإيرانية آنذاك، إلا أن زكزاكي لم يُظهِر تَشَيُّعَه إلا في منتصف التسعينيات عندما قدح في الصحابي الجليل أبي هريرة، فجُوبِهَ هذا القدح باستنكار شديد من عدد كبير من أنصاره، مما دفع كثيرين منهم إلى الانفصال عنه.
بعد هذه الحادثة كثَّفت إيران جهودها لنشر التَّشَيُّع في هذه البلاد، من خلال دعمها اللا محدود لإبراهيم زكزاكي وجماعته، في إطار محاولاتها الرامية لاستنساخ “حزب الله” في نَيجِيريا، للمحافظة على النشاط الشِّيعِيّ فيها، ويتَّضِح ذلك جَلِيًّا في الدعم الكبير الذي تَلَقَّتْه هذه الجماعة من إيران، مثل الدعم العسكري والتدريبات التي أجرتها الجماعة لعناصرها على حروب العصابات واستخدام الأسلحة الخفيفة وتصنيع القنابل اليدوية وصنع القنابل[10].
لكن الأحداث التي شهدتها مدينة زاريا في ديسمبر 2015 شكَّلَت بداية النهاية لهذا المشروع الإيراني، وذلك عندما هاجم الجيش النَّيجِيري حُسَيْنِيَّة “بقية الله” في زاريا التي تَحصَّن فيها عدد من أنصار الحركة الإسلامية بزعامة زكزاكي، الذين اتَّهمَتْهم الحكومة بتدبير محاوله اغتيال رئيس هيئة الأركان في الجيش الجنرال توكور يوسف بوروتاي، مِمَّا أدَّى إلى مقتل مئات واعتقال زعيم الحركة الذي لا يزال يقبع في السجن.
فالجدل الذي أثارته إيران عقب هذه الحادثة كان له عظيم الأثر في رفض الوجود الإيراني في البلاد وتسليط الضوء أكثر على هذا الوجود والتنبيه لمَخَاطِرِه، وسط دعوات إلى ضرورة التصدِّي له والتعامل معه بنفس الحزم الذي تجابه به الحكومة جماعة “بوكو حرام” المتطرفة. وتَمَثَّل الجدل الذي أثارته إيران في احتجاجها الرسميّ لدي الحكومة النَّيجِيرية على الهجوم الذي شنَّه الجيش على الشِّيعَة، إضافةً إلى الاتصال الذي أجراه الرئيس الإيراني حسن روحاني مع نظيره النَّيجِيري محمد بخاري، ومطالبته إياه بتشكيل لجنة لتقصِّي الحقائق في الحادثة،
واستدعت الخارجية الإيرانية القائم بالأعمال النيجيري في طهران للاحتجاج على الحادثة، وطالبت السلطات النيجيرية بـ”تحديد أبعاد الحادثة ومعالجة الجرحى والتعويض عن الخسائر والأضرار في أسرع وقت ممكن”، كما اتصل وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بنظيره النيجيري جيفري أونياما، وطلب منه أن تتحرك حكومته “فورًا وبشكل جِدِّيّ لتجنب العنف” ضدّ الشيعة في نيجيريا[11]، الأمر الذي اعتبره النَّيجِيريُّون تَدَخُّلا في شؤونهم الداخلية ومحاولةً لنَشْر بذور الفتنة في البلاد.
بعد هذه الحادثة شهدت العَلاقات الإيرانية النَّيجِيرية فُتُورًا مَلحُوظًا، حتى موعد زيارة وزير الخارجية محمد جواد ظريف الأخيرة لدول غرب إفريقيا، التي استهلَّها بنَيجِيريا، والتقى خلالها الرئيس النَّيجِيري محمد بخاري، وقد أبلغ ظريف السلطات النَّيجِيرية -حسب تصريحات ممثِّل جامعة المصطفى علي فلاح زورومي- قلق بلاده إزاء الحالة الصِّحِّيَّة التي يمرّ بها زعيم الشِّيعَة في نَيجِيريا الشيخ إبراهيم زكزاكي، مُطالِبًا الحكومة النَّيجِيرية بإطلاق سراحه[12].
كما أعلن مساعد وزير الخارجية الإيراني للشؤون العربيَّة والإفريقية حسين جابري انصاري، أن بلاده تُجرِي مشاورات مع نَيجِيريا حول قضية الشيخ إبراهيم زكزاكي لتوفير إمكانية الإفراج عنه ومتابعة وضعه الصِّحِّيّ[13].

♦ مُستقبَل الوجود الإيراني في السُّودان ونَيجِيريا:
أسهم كثير من المؤسَّسات السِّياسِيَّة والدِّينية في السُّودان ونَيجِيريا في توعية الرأي العامّ الداخلي بخطورة الوجود الإيراني على النسيج الاجتماعي وعلى أمن واستقرار إفريقيا عمومًا، وعلى السُّودان ونَيجِيريا على وجه الخصوص. لا تزال نَيجِيريا تتمتع بعَلاقات سياسية مع إيران، ولكنها أدركت خطورة عَلاقاتها الثقافية معها فبدأت في ممارسة رقابة قويَّة ضدّ الجماعات الشِّيعِيّة وتحجيم نشاطها.
أما في السُّودان فقد أغلقت حكومة البشير الباب على إيران بعد قطع العَلاقات السِّياسِيَّة وإغلاق المراكز الثقافية التي أسهمت في نشر التَّشَيُّع. كما أدركت إيران حجم الرفض الشعبي الكبير واستحالة تحقيق أهدافها المتمثلة في تصدير ثورتها إلى السُّودان ونشر التَّشَيُّع فيه في المستقبل.
أما تأثير قطع العَلاقات بين الخرطوم وطهران على العَلاقات الخارجية للسُّودان، فإن القرار يمثِّل رسالة إلى الأطراف الخارجية عمومًا، وإلى دول الخليج بشكل خاصّ، مفادها أن الخرطوم جادة في تحجيم عَلاقاتها مع إيران وحريصة على عودتها إلى محيطها العربي، إدراكًا منها لخطورة تداعيات التقارُب مع إيران على حاضر ومستقبل البلاد.

♦ النتائج:
استغلَّت إيران الفراغ الثقافي والاجتماعي، وحتى السياسي، الذي أحدثه البعد العربي عن الساحة الإفريقية، وذلك عبر الاستفادة من أحد أهمّ مبادئ الثورة المتمثل في “نصرة المستضعَفِين” في شتى بقاع العالَم، فوجدت في بعض دول إفريقيا، كالسُّودان ونَيجِيريا، أرضًا خصبة ومناسبة لنشر المَذْهَب الشِّيعِيّ، الذي يمثِّل أحد أهم استراتيجياتها، في هذه القارَّة. كما سعت إيران من خلال عَلاقاتها مع السُّودان ونَيجِيريا وبقية الدُّوَل الإفريقية إلى تحقيق أهداف أخرى تتمثل في التالي:
1- تصدير الثورة
2- الخروج من العُزْلة الدولية المفروضة عليها قبل الاتِّفاق النووي وبعده.
3- تحقيق بعض المكاسب الاقتصادية.
4- ممارسة نشاط استخباراتي في القارة عبر إرسال عناصر من الحرس الثوري والمخابرات إلى عدد من الدُّوَل الإفريقية على هيئة رجال أعمال ومستثمرين لتنفيذ أعمال استخباراتية ضدّ الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض الدُّوَل العربيَّة التي لها مشاريع ومصالح في إفريقيا.

[1]
بوزيدي يحيى، إيران في إفريقيا: اختراقات وإخفاقات، 5 يونيو 2014م:https://www.alburhan.com/Article/index/8186
[2]
موقع وزارة الخارجية السُّودانية، العَلاقات السُّودانية الإيرانية:https://mofa.gov.sd/new/more.php?main_id=9&sub_id=39&id=389
[3]
المثنى عبد القادر، السودان وإيران: مرحلة إعادة ربطة العنق العربي:16/1/2016:https://www.alnilin.com/12742657.htm
[4]
المصدر السابق.
[5]
محمد خليفة الصديق، دور المستشاريات الثقافية الإيرانية في الترويج للمَذْهَب الشِّيعِيّ.. السُّودان نموذجًا 13 مارس 2014:https://www.alburhan.com/Article/index/8186
[6]
فاطمة الصمادي، السُّودان وإيران: تبعات انهيار التحالف، 22 سبتمبر 2014:https://studies.aljazeera.net/ar/reports/2014/09/201491872725827223.html
[7]
موقع وزارة الخارجية السودانية، مرجع سابق.
[8]
شوقي مهدي مصطفى، السودان وإيران.. تحالف أنهته عواصف الخليج، 17 يناير 2016:https://www.alaraby.co.uk/opinion/2016/1/16/
[9]
إيران تحاول استنساخ حسن نصر الله إفريقيًّا انطلاقًا من نَيجِيريا، 17 ديسمبر2015:https://www.alyaum.com/article/4107319
[10]
إبراهيم زكزاكي.. النسخة الإيرانية لـ"حسن نصرالله" في نيجيريا، 29 ابريل 2015:https://www.islamist-movements.com/28144
[11]
جماعة زكزاكي حاولوا القيام بأعمال إرهابيَّة في نَيجِيريا وإيران تحتجّ، 15 ديسمبر2015:https://www.albawaba.com/ar/ 781618
[12]
Iran’s FM Has Urged Abuja to Release Sheikh Zakzaky, Cleric Says. July, 29, 2016:https://www.tasnimnews.com/en/news/2016/07/29/1143253
[13]
جابري أنصاري: نُجرِي مشاورات مع الحكومة النَّيجِيرية حول قضية الشيخ زكزاكي،11-9-2016:https://www.inbaa.com/tag /

تعليقات (0) إرســال التعليق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.*

You may use these HTML tags and attributes:
<a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

*

x
تطبيق مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية
مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية
حمل التطبيق من المتجر الان