إيران والمشروع الكردي في العراق… التهديدات وخيارات المواجهة

https://rasanah-iiis.org/?p=9367

بواسطةفراس إلياس

أدى استفتاء إقليم كردستان العراق في 25 سبتمبر 2017 إلى تنامي حالة من القلق وتضارب المواقف الإقليمية والدولية في ما يتعلق بطبيعة التعاطي السياسي والاستراتيجي مع هذا المتغيّر، ففي الوقت الذي عبّرت فيه جميع القوى عن رفضها للاستفتاء، إمّا اعتراضًا على التوقيت، وإمّا لأنه قد يشكّل مدخلًا لتقسيم دول المنطقة التي يعاني أغلبها من أزمات هُوِيّاتية ووطنية، ذهبت إيران إلى معارضة هذا التوجّه الكردي بقوّة، انطلاقًا من الأسباب سالفة الذكر، مضافًا إليها بعض الأسباب الأخرى التي تتعلق بأمنها القومي بمفهومه الواسع، وذلك بأخذ محيطها الجيوبوليتيكي المشتعل في الاعتبار، فضلًا عن أن إيران هي أكثر الأطراف الإقليمية التي قد تخسر في حالة ما إذا نجح الرهان الكردي في تشكيل دولته المنشودة، لأن هذا الإقليم له حدود مع إيران تتجاوز 400 كيلومتر، كما أنه للعنصر الكردي امتداداته داخل الأراضي الإيرانية. ويستدعي هذا الواقع إلقاء نظرة على محركات التأثير التي قد يتجه إليها صانع القرار السياسي والاستراتيجي الإيراني، للحدّ من التداعيات المتوقعة من هذا الاستفتاء على الداخل الإيراني، أو على الأقل قصر هذه التداعيات على المحيط الجغرافي العراقي.

خريطة توضح الموقع الجغرافي لإقليم كردستان العراق

http: //amal – news.com/2017/06/14

أوّلًا: إيران والكُردوفوبيا
إنّ مفهوم الصراعات في القرن الحادي والعشرين قد تغيّر، فلم تعُد الصراعات اليوم صراعات عسكرية أو إثنية أو مذهبية، بل إنّ الذكرى المئوية لاتفاقية «سايكس-بيكو» مثّلت نقطة بداية لبروز مفهوم جديد للصراع في حقل العلوم السياسية، ألا وهو مفهوم «الجيوفوبيا»، ويشير هذا المفهوم إلى أن الصراع على الحدود، أو النزعة لتشكيل دول حديثة على أسس عرقية وقومية وإثنية، يشكّل مدخلًا جديدًا لفهم متغيّر للعَلاقات والتوازنات الإقليمية والدولية، من خلال زيادة أعداد الفاعلين الدوليين (الدول)، وأصبح تغيير هيكلة النظام السياسي الدولي يقترب من حالة التشظّي الاستراتيجي.
وعلى الرغم من أن أغلب الدراسات الغربية عند الحديث عن العراق تشير إليه بأنه «كِيان مصطنَع أسهمت الظروف التاريخية والسياسية في تشكيله، شأنه في ذلك شأن يوغسلافيا السابقة»، فإننا نجد أغلب هذه الطروحات متكررًا في كتابات هنري كيسنجر، أو في الخطة التي طرحها بيتر غالبريث، الذي كان إلى جوار السيد مسعود بارزاني في أثناء الاستفتاء، مع برنار ليفي الفَرنسي اليهودي، وعرّاب ثورات الربيع العربي، إذ دعا غالبريث إلى تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، وذلك بسبب الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الأمريكية في العراق، والتي كان من أبرزها الفشل الذريع في الحفاظ على نسيج الوحدة الوطنية في البلاد، مما جعل العراق ينجرف في حرب أهلية لم يشهد العالم لها مثيلًا من قبل. ويبرر رؤيته هذه بقوله: «إنّ محاولة بناء مؤسسات وطنية أو قومية في بلد دمرْنا فيه كل أسس ومقومات الدولة، ليست سوى جهد ضائع، ولا تؤدي إلى شيء سوى الإبقاء على الولايات المتحدة في حرب بلا نهاية. إنّ ما كان يُعرف بالعراق الموحّد ذهب إلى غير رجعة بتفكيك مؤسساته الأساسية، وإنّ الإدارة الأمريكية كتبت شهادة وفاة العراق، وعليها الآن الاعتراف بخطيئتها الكبرى، واستخراج شهادات ميلاد للدويلات الثلاث المستقلة، لتنفيذ مشروع التقسيم والمراحل التي وصل إليها بعد قيام الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بغزو واحتلال العراق، وتدمير بنيته التحتية، وسحق كل مؤسسات الدولة العراقية وإلغائها، إيذانًا بالشروع في تنفيذ مخطط تقسيم العراق، الذي كانت تسعى الإدارة الأمريكية إلى تحقيقه».
ترفض إيران هذه المشاريع الأمريكية أو حتى النظر إليها، بل سعت إلى مقاومة أيّ توجّه أمريكيّ يهدف إلى تقسيم العراق، ليس من أجل مصلحة العراق دولة وشعبًا، بل لأن المصلحة الاستراتيجية الإيرانية تقتضي ذلك، وهو ما عملت عليه منذ عام 2003 وحتى الوقت الراهن، فإيران تخشى من كردستان سنّية قوية مقرّبة من إسرائيل، أكثر من خشيتها من أيّ قوة إقليمية أخرى، وذلك لأن تشكيل الدولة الكردية يعني في المقابل تقارب المسافات الجغرافية بينها وبين إسرائيل، ويعني تغيّرًا في قواعد الاشتباك، وتهديدًا حقيقيًّا للعقيدة العسكرية الإيرانية، لأنه عندها ستُجبَر على إدخال «دولة كردستان» ضمن مهددات الأمن القومي الإيراني، وما يكتنف هذا التغيير من تداعيات على مجهودها العسكري من حيث الانتشار وتوظيف القدرات العسكرية، ولهذا فإنها تسعى إلى الحفاظ على العراق الموحد الضعيف غير المهدد لمصالحها، والموائم لسياساتها واستراتيجيتها الإقليمية، وعدم السماح بأي متغيرات جيوبوليتيكية تهددها.

ثانيًا: تداعيات المشروع الكردي على الجيوبوليتيك الإيراني
العَلاقات الإيرانية مع أكراد العراق تتسم بعدم الثبات، ففي الوقت الذي كانت فيه الداعم الرئيسي لأكراد العراق قبل عام 2003، تغيرت مواقفها بعد هذا التاريخ واقتصرت العَلاقة على طرف (طالباني) دون آخَر (بارزاني). وفي نظرة أوسع نجد أنه في الوقت الذي تتمتع فيه إيران بعَلاقات قوية مع حزب العمال الكردستاني التركي، اعتمدت سياسة متطرفة مع حزب الحياة الحرة الكردستاني الإيراني «بيجاك»، الذي هو فرع لحزب العمال الكردستاني التركي في إيران، وبالتالي فإن هذه الفوضى في العَلاقات التي تعتمدها إيران تجاه أطراف الساحة الكردية عقّدت اليوم كثيرًا من المشهد السياسي العراقي-الكردستاني، بل إنّ التطرف الإيراني في التعامل مع الأكراد وصل إلى الحدّ الذي دفع الخميني إلى تكفيرهم، نتيجة دعمهم للعراق خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وأخذت المدافع والدبابات الإيرانية تقصف مدن كرمانشاه وكردستان وأذربيجان الغربية وإيلام، وخلّفت آلاف القتلى والجرحى، مما دفع بأغلب الأكراد الذين كانوا يحملون السلاح في وجه نظام الخميني إلى العبور إلى الأراضي العراقية، والاستقرار في مناطق إقليم كردستان العراق، وتحديدًا في مدينة السليمانية المحاذية للحدود الإيرانية، وهو ما وفّر فرصة مناسبة لعناصر الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني الموجودين في مدينة السليمانية لتلقي دعم وتدريب بعض عناصر البيشمركة الكردية عسكريًّا، أو حتى خبراء عسكريين أمريكان، والدفع بهم إلى داخل إيران لتنفيذ عمليات عسكرية ضد القوّات الإيرانية.

خريطة توضح مناطق سيطرة الحزبين الكرديين

https: //commons.wikimedia.org/wiki/File: KDP_and_PUK_controlled_areas_of_Kurdistan.png

ملاحظة: االلون الأصفر يرمز إلى مناطق سيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، واللون الأخضر يرمز إلى مناطق سيطرة حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة الراحل جلال طالباني، مع ضرورة الذكر أن هناك عديدًا من الأحزاب الكردية[1]الموزعة في مناطق إقليم كردستان العراق، إلا أن الواقع التاريخي الكردي ركّز على هذين الحزبين.وقد عملت إيران جاهدة من أجل الدفع بالقادة الكرد بعدم الذهاب باتجاه خيار الاستفتاء، لهذا في 12 أبريل 2017 زار قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني مدينة السليمانية، وقد كان لهذه الزيارة هدفان[2]:
الهدف الأول: تعطيل عملية الاستفتاء حول تقرير مصير كردستان العراق الذي قرر الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني والأحزاب الكردستانية الأخرى وحكومة الإقليم إجراءه، إضافة إلى مناقشته مسألة رفع علم كردستان في كركوك، وعودة هذه المناطق إلى إدارة كردستان، الأمر الذي ترفضه طهران وتقف ضده.
الهدف الثاني: إبعاد الاتحاد الوطني الكردستاني عن الحزب الديمقراطي، فالعَلاقات بين الجانبين شهدت برودًا في الفترة الماضية، لكن ابتداءً من شهر أبريل 2017 بدأت الاجتماعات بين هذين الحزبين الرئيسيين، برئاسة رئيس الإقليم مسعود بارزاني، وهذه الاجتماعات أذابت الجليد بينهما، وأصدرا معًا قرارات مُهِمّة بشأن مستقبل الإقليم.هذا التقارب كان قد عطل سليماني عن أداء مُهِمّته بإفشال هذا الطموح، مما دفع إيران إلى دعوة جلال طالباني لزيارة إيران في 9 يوليو 2017، إلا أن هذه الزيارة هي الأخرى لم تحقق النتائج المرجوّة إيرانيًّا، لذا اتجهت إيران نحو خيار التصريحات النارية على أمل أن تحقق التغيير المطلوب، وأظهرت جميع التصريحات اعتراض إيران على إنشاء دولة كردية في المنطقة، وكثف قادة الحرس الثوري الإيراني من تهديداتهم لإقليم كردستان العراق، وكان أبرزها التهديد الذي وجّهه نائب قائد الحرس الثوري حسين سلامي، الذي هدّد بتدمير إقليم كردستان العراق. يضاف إلى ذلك الموقف الذي أظهره المرشد الإيراني علي خامنئي، سواء في أثناء لقائه برئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان في 2 أكتوبر 2017، والذي عارض فيه تشكيل «إسرائيل ثانية» في المنطقة، أو في أثناء لقائه مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي في يونيو 2017، بعد جولة إقليمية شملت المملكة العربية السعودية والكويت، والذي عبّر من خلاله عن رفضه للخطوة الكردية، عادًّا ذلك تهديدًا لأمن وسيادة العراق. كما ظهرت مواقف مماثلة من قبل الناطق باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، إلى جانب التصريحات المتكررة التي صدرت وتصدر عن السفير الإيراني لدى العراق، إيرام مسجدي، والتي عبّرت بمجملها عن رفضها لأي مسعى كرديّ نحو خيار الانفصال.
فالمهدّدات الجيوبوليتيكية التي تخشى منها إيران تنطلق من الاعتبارات العامة الآتية:
1. أنّ الإقليم سيكون مانعًا جغرافيًّا جديدًا بينها وبين حلفائها في سوريا ولبنان، بما يمثله ذلك من تهديدات تتعلق بخطوط الدعم والإسناد اللوجيستي.
2.تحجيم فرص هيمنة إيران على مجمل الفعاليات السياسية والعسكرية والاقتصادية في العراق.
3. نموذج قد يشجّع العرب السنّة للاتجاه نحو نفس الخيار الكردي.
4. تشكيل كِيان سنّي جديد قد يكون مقربًا من إسرائيل سياسيًّا وعسكريًّا، ومن دول الخليج اجتماعيًّا ودينيًّا، وبالتالي خاصرة رخوة جديدة في الجيوبوليتيك الإيراني.
5. إفشال مشروع مدّ أنابيب الغاز عبر الأراضي العراقية والسورية؛ كون أغلب خطوط أنابيب نقل الغاز الإيراني المقترحة سيمرّ عبر أراضي الإقليم أو يدخل بعضها داخل حدوده، ويكون الآخر متاخمًا لها.
6. مورد اقتصاديّ جديد ينمي المشاعر الكردية الانفصالية، ففي الوقت الذي يسيطر فيه إقليم كردستان العراق على مدينة كركوك المتنازع عليها، والغنية بالموارد النفطية، نجد أنه في الطرف الآخر تسيطر قوّات سوريا الديمقراطية الكردية، التي تحظى بدعم أمريكيّ، على منابع النفط في دير الزور السورية، والتي تخوض معارك شرسة مع قوّات النظام السوري وحلفائه للسيطرة على آبار النفط، وجاءت سيطرتهم مترافقة مع طلبهم بتشكيل حكم ذاتيّ في الشمال السوري، وهذا ما يضفي مخاوف أخرى لدى الإيرانيين.
7. قد يشكّل استفتاء إقليم كردستان العراق وتأسيس دولته مقدمة لدفع أكراد سوريا المدعومين أمريكيًّا للذهاب إلى نفس الخيار، خصوصًا بعد إعلان النظام السوري عدم ممانعته منح الأكراد حكمًا ذاتيًّا في الشمال السوري، وبالتالي إمكانية تطوّره إلى نفس الصيغة الكردية في العراق، وهو ما لا ترغب فيه إيران وتعارضه.
8.تشجيع القوميات والإثنيات الموجودة داخل إيران، لتحقيق وإثبات هُوِيّتها الثقافية والاجتماعية، كون الأمر لن يقتصر على أكراد إيران، وإنما يتعداه إلى العرب والتركمان الأذريين والبلوش وغيرهم.
9.إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية لإيران، بالاتجاه الذي يحجم فعلها الإقليمي، كون تعاملها سيختلف مع الأكراد، وذلك بالتحول بالعَلاقة من مستوى العَلاقة بين دولة وأحزاب إلى مستوى العَلاقة بين دولة ودولة، مما يعني واجبات والتزامات يجب أن تراعيها إيران، لأن البديل سيكون مكلفًا جدًّا على صعيد الأمن القومي الإيراني، إذ إنّ التعاطي الإيراني الآني مع الكرد، الذي يتصف بالمعاداة، سيكون له رد فعل مستقبليّ متطرف في حالة نجاح المسعى الكردي بإنشاء دولة مستقلة.
10. نهاية النفوذ السياسي الإيراني في مدينة السلمانية، وإن كانت وفاة جلال طالباني هي المقدمة لذلك، خصوصًا إذا ما أفرزت المرحلة القادمة قيادات سياسية كردية من مدينة السليمانية، من تحت عباءة طالباني، تعارض الدور الإيراني، والتي كانت تتحرّج من نقد السياسات الإيرانية في الإقليم؛ رغبة في عدم الخروج عن الخطوط العامة التي رسمها طالباني، وبالتالي فإن مرحلة ما بعد طالباني ستكون متغيرة على مستوى العَلاقات التي تربط إيران بقيادات الاتحاد الوطني الكردستاني. ولعل أول خطوط هذا التغيير هو التحالف الذي أسسه نائب رئيس الوزراء العراقي السابق ونائب الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني برهم صالح، الذي أنشأ حزبًا سياسيًّا جديدًا يحمل اسم «التحالف من أجل الديمقراطية والعدالة»، وقد كان بيان إعلان تشكيل هذا الحزب بعيدًا عن سياسات الاتحاد الوطني الكردستاني، من خلال تأكيده على حقّ الشعب الكردي في تشكيل دولته المستقلة، وعدم تدخّل دول الجوار في الشؤون الداخلية للإقليم، في إشارة صريحة إلى الجارة إيران، وبالتالي فإنّ إيران لن ترغب في ذلك.
11.ضربة قوية للاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، وذلك عن طريق الإخلال بقواعد اللعبة الإقليمية التي عملت إيران على إرسائها منذ عام 2003، وتقييد المشروع الاستراتيجي الإيراني في العراق بقيود جديدة تراعي من خلالها العَلاقة مع القوميات والطوائف الأخرى، التي ستتضرر هي الأخرى، وخصوصًا العرب السنّة والتركمان، الذين سيفرضون بدورهم مزيدًا من الضغوط على الحكومة العراقية، بمعالجة ملفاتهم وتحديدًا موضوع المناطق المتنازع عليها، أو معالجة وضعهم السياسي في العراق، إلى أن تتراوح خيارات هذه الأطراف ما بين الانضمام إلى الكرد، وتشكيل أقاليم تحمي خصوصيتهم القومية والطائفية، وهو ما يعني تنازلات قد تكون إيران مجبرة على تقديمها، مقابل الحفاظ على حكم الطبقة السياسية العراقية المقربة منها.

ثالثًا: الخيارات الإيرانية للتعامل مع الأزمة
إنّ كل ما تقدّم يدفعنا إلى الحديث عن الخيارات الإيرانية خلال المرحلة القادمة، خصوصًا أن القيادة الكردستانية لا تزال مُصِرّة على المضيّ في تحقيق النتائج التي تمخضت عنها العملية الاستفتائية، فرغم كل الدعوات الإيرانية لإلغاء نتيجة الاستفتاء كشرط للعودة إلى طاولة الحوار مع الحكومة العراقية، فإن الإقليم لم يُلقِ بالًا لذلك، بل والأبعد من ذلك أخذت إيران تلوّح بإجراءات عقابية قد يدفع الإقليم ثمنها، وبالتالي ما الخيارات الإيرانية حيال هذه الحالة التي تتصف بالضبابية وعدم اليقين؟
يمكن القول، ومن خلال قراءة معمقة لطبيعة أدوات التأثير التي تمتلكها إيران داخل العراق عامة والإقليم خاصة، إن خياراتها ستتحدّد في إطار الآتي:
1- التهديد العسكري: وذلك من خلال استمرار إيران بتبنّي خطاب سياسيّ تصعيديّ حيال الإقليم، من أجل ثنيه عن خيار الانفصال، عن طريق التهديد باستخدام القوة العسكرية، أو الاستمرار في صيغة المناورات والحشد العسكري على طول الحدود مع الإقليم، إلى جانب الاستمرار في عمليات القصف المدفعي على المدن والقرى الحدودية. والهدف من ذلك كله محاولة إيرانية لخلق رأي عامّ كرديّ معارض لعملية الانفصال، من خلال رسالة إيرانية بأن النتيجة ستكون تدمير آلاف القرى الكردية في حالة تشكيل دولة كردية، أو حتى مجرّد التفكير في ذلك. ولنا في التعامل الإيراني مع أكرادها في الثمانينيات من القرن الماضي خير مثال على ذلك، فالإجراءات التهديدية التي اتخذتها إيران حاليًّا على طول حدودها مع إقليم كردستان العراق، من خلال نشرها للقوّات العسكرية ومنظومات الصواريخ والقاذفات، إلى جانب الطائرات المسيرة، فضلًا عن قنوات دبلوماسية خفية يقودها قاسم سليماني، كل ذلك يعكس القلق الذي تشعر به طهران جرّاء استفتاء كردستان العراق، فقد أظهرت أزمة كركوك الأخيرة بين الإقليم والحكومة المركزية على أثر رفع العلم الكردي فوق المباني الرسمية في المدينة مدى التأثير الذي تمتلكه إيران في إقليم كردستان العراق، من خلال وجودها عن طريق حرسها الثوري وميليشياتها المسلحة في محيط الإقليم ومدينة كركوك، فبعد زيارة قاسم سليماني إلى مدينة السليمانية في أبريل 2017 تأجّل البحث في هذا الموضوع إلى مرحلة ما بعد «داعش»، وأشار كثير من المصادر إلى أن الجنرال الإيراني قد تحدث بلغة التهديد والوعيد مع القادة الكرد هناك، وترافق مع هذا الحدث قيام الحرس الثوري الإيراني وعلى أثر هذا التصعيد الكردي بافتتاح عديد من المعسكرات في مدينة سيد صادق التابعة لمحافظة السليمانية في إقليم كردستان العراق، وفي منطقة بيران شهر وشنو المحاذيتين لمنطقة كيلشين، وأن عديدًا من ضباط وقادة الحرس يترددون على هذه القاعدة يوميًّا ويشرفون على بنائها، وكذلك تتمركز حاليًّا قوة عسكرية إيرانية للتدخل السريع تتألف من 450 جنديًّا إيرانيًّا بالقرب من مدينة السليمانية، هذا كله إلى جانب المعسكرات التي سيطرت عليها القوّات الإيرانية التابعة لحزب الحياة الحرة «بيجاك» الكردي الإيراني المتمرد في الأراضي العراقية، كما أنه لا بد من الإشارة هنا إلى أن مركز القيادة الشمالية للحشد الشعبي، يقع في مدينة كركوك التي يقودها محمد البياتي القيادي في فيلق بدر، إذ يحتوي مركز القيادة الشمالية على 6 معسكرات قتالية تتوزع على مختلف مناطق مدينة كركوك، وهو ما يشير إلى مدى عمق وخطورة التأثير الميليشياوي الإيراني على إقليم كردستان العراق[3] . فبانتهاء معركة الموصل تكون حلقات الاحتواء الإيراني لإقليم كردستان العراق قد اكتملت، ولعل هذا ما دفع الإقليم إلى التنبّه إلى هذا الموضوع، والاتجاه نحو خيار الانفصال، كمحاولة للهروب إلى الأمام، مع الإشارة هنا إلى أن موضوع التدخل العسكري الإيراني المباشر في إقليم كردستان العراق مستبعد كليًّا، لما لذلك من تداعيات جيو-استراتيجية على مجمل الإقليم والعالم، كما أن إيران هي الأخرى غير مستعدة لهذه المغامرة التي قد تكلفها كثيرًا، خصوصًا بعد الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها الإدارة الأمريكية في 13 أكتوبر 2017، حيال الاتفاق النووي، وتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية في سجلات وزارة الخزانة الأمريكية، وأن الحديث عن تدمير أو احتلال إقليم كردستان العراق ينحصر في إطار التصريحات العسكرية والتهديدية لا أكثر
2- الخيارات الاستخبارية-التخريبية: وذلك من خلال الإيعاز لشبكاتها الاستخباراتية المنتشرة في الإقليم بتنفيذ عمليات تخريبية وانتقامية داخل الإقليم، إذ لا تزال الاستخبارات الإيرانية تحتفظ بوجودها ونشاطاتها في إقليم كردستان العراق تحت أغطية مختلفة، وتواصل نشاطاتها الاستخبارية والإرهابية ضد المعارضين، كما يتابع النظام الإيراني جزءًا من نشاطاته الإرهابية ودعمه للجماعات الإرهابية المسلحة في العراق عبر إقليم كردستان العراق، ويسهل تنقلاتهم إلى إيران. لقد قام النظام الإيراني خلال السنوات الأخيرة بتسمية القواعد الرئيسية لـ«مقر رمضان» بالقنصلية الإيرانية في أربيل، وبذلك أضفى الطابع الرسمي على أجهزته الاستخبارية والإرهابية، وتشير أغلب المعلومات الاستخبارية من داخل إيران إلى أن هذه القواعد ليست لها عَلاقة بوزارة الخارجية الإيرانية، وإنما تنتمي دوائرها أصلًا إلى فيلق «القدس» التابع للحرس الثوري، وكوادرها من ضباط استخباريين تابعين لـ«مقر رمضان»، يعملون في الحقيقة وتحت غطاء القنصلية على مواصلة نشاطاتهم الاستخبارية والإرهابية، ويتم بواسطة هذه القواعد عديد من التنقلات وإيصال الإمدادات إلى جماعات إرهابية ومنها جماعة «أنصار الإسلام»، كما أن جميع هذه المراكز والقواعد ودوائرها مراكز تجسس نشطة تابعة للنظام الإيراني تتولى المسؤولية عن إدارة مراصد النظام الإيراني في كردستان العراق، فضلًا عن أن «مقر رمضان» أصبح يستخدم شركات وهمية كغطاء، ويتولى شخص يدعى «روحي» الأمانة العامة لمجلس الشركات الإيرانية التي تتخذ من كردستان العراق مقرًّا لها، وهو ضابط ارتباط لمجلس الشركات الإيرانية مع السفارة والقنصليات الإيرانية. وفي ما يأتي أسماء ونشاطات بعض من هذه الشركات الموجودة في إقليم كردستان العراق[4]:
أ- شركة «آريا لقمان»: تنشط هذه الشركة في مجال المشاريع الإنشائية، تم تسجيلها كشركة عراقية، بينما هي تابعة للنظام الإيراني وترتبط مباشرة بـ«مقر رمضان». وهذه الشركة تبنّت سلسلة أعمال إنشائية خاصّة، أهمّها إنشاء مدارس في كردستان العراق. وطبعًا يقوم «مقر رمضان» وتحت غطاء هذه الشركة بإدخال عناصره إلى المنطقة الكردية لمزاولة أعماله الإرهابية، كما يقوم «مقر رمضان» تحت غطاء الشركة بنقل الأموال إلى العراق. وتمتلك هذه الشركة اعتمادًا ماليًّا تسدد به حاجاتها المالية في العراق، أما المسؤولون الرئيسيون في هذه الشركات فهم من عناصر وضباط الاستخبارات في «مقر رمضان»، ورئيس هذه الشركة شخص يدعى آريا منش.
ب- شركة «شهريار»: كان «مقر رمضان» يقوم في وقت سابق بنقل الإرهابيين التابعين له بواسطة سيارات الهلال الأحمر، ولكن بعد أن ألغي موضوع الهلال الأحمر الإيراني في كردستان العراق، قام «مقر رمضان» بعملية النقل المذكورة عبر شركة «شهريار» التي هي شركة دولية للنقل تابعة لـ«مقر رمضان»، وقد أبلغ فيلق القدس مختلف الشركات والمؤسسات الناشطة في كردستان العراق بأن تقوم بنقل أفرادها وبضائعها إلى كردستان العراق، بواسطة الشركة المذكورة فقط. وبدعوى الإعلان أن هذه الشركة ذات طابع دولي، فإن السيارات التابعة لهذه الشركة تدخل مباشرة من إيران إلى كردستان العراق وإلى محافظة السليمانية، ويقوم «مقر رمضان» بنقل عناصره بواسطة هذه الرحلات التي تنظمها هذه الشركة في كردستان العراق، ويتولى مسؤولية هذه الشركة شخص يدعى «روحي»، وتمتلك شركة «شهريار» مكتبًا في كل من السليمانية ومريوان وطهران.
ج- شركة «سفينة جمهورية إيران الإسلامية»: إذ يمتلك النظام الإيراني مركزًا تجاريًّا بعنوان «سفينة جمهورية إيران الإسلامية» في منطقة مصنع الثلج الواقع شمال غربي السليمانية، ولهذا المقر 500 موظف، وهم دائمو التردد والتنقل بين حدود مريوان وبنجوين وطويله بياره وبرويز خان، لنقل السلع. وتتم معظم عمليات النقل لهذه الشركة عن طريق الشاحنات الإيرانية، وهذه الشركة هي الأخرى على صلة مباشرة بـ«مقر رمضان» وفيلق القدس. ومن الجدير بالذكر أن «مقر رمضان» له سلسلة شركات في كردستان العراق، وأنهم سجّلوا هذه الشركات في السليمانية أيضًا بتسجيل غير إيرانيّ، وتقوم عناصر «مقر رمضان» بنقل السلع من إيران إلى شركاتها العراقية المذكورة، التي تقوم بدورها بتوزيع السلع، وكان «مقر رمضان» يأخذ لمدة ما أموالًا مقابل إصدار الفيزا (تأشيرة الدخول)، وبذلك يحصل على إيرادات هائلة.
الذي تنبغي الإشارة إليه هو أن خيار التدخّل الاستخباراتي ونشر الإرهاب مطروح وبقوّة كصيغة إيرانية للتعاطي مع خيار الانفصال، في حالة ما إذا أخذ الموضوع مديات أكبر، وأصبح مهددًا حقيقيًّا لإيران.
3- الخيارات الأمنية:والتعويل هنا على الحشد الشعبي؛ كونه الفاعل الأمني الأكثر ثقة والطرف الذي تعتمد عليه إيران كثيرًا في مرحلة ما بعد داعش، وبالتالي فإن إيران ستعمد إلى الدفع بالحشد الشعبي أو قوّات الشرطة الاتحادية التابعة لوزارة الداخلية إلى الوقوف بوجه التطلعات الكردية، خصوصًا في ظلّ رفض رئيس الوزراء حيدر العبادي لاستخدام القوة العسكرية ضد الإقليم. وما يدلل على أهمية وحيوية الحشد الشعبي خلال المرحلة القادمة، التصريحات المتناغمة التي تصدر من قيادات الحشد، والتي أتت وتأتي متوائمة بصورة كبيرة مع التصريحات الرسمية الإيرانية، فقد أشار رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض إلى أن استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق «عمل استفزازيّ» وكسر للأطر التاريخية بين العرب والأكراد. وأكّد على أن هذا الاستفتاء سيكلف الجهات الراعية له ثمنًا باهظًا، في حين عدّ قيس الخزعلي أن «مشروع دولة بارزاني الكردية هو مشروع إسرائيليّ بالأساس»، وقال: «هناك أيضًا طموحات كردية للشعب الكردي بدولة قومية، لكن من ناحية مسعود بارزاني هي مصالح عائلية بالأساس، وانسجمت مع دعم إسرائيليّ لإيجاد بيئة سرطانية في المنطقة، لذلك الجهة الوحيدة التي دعمت موضوعها هي الكِيان الإسرائيلي في كل العالم»[5]  كما ترافقت هذه التصريحات مع خطوات عملية تمثلت بانتشار عديد من العناصر التابعة لعصائب أهل الحق التي يقودها الخزعلي في مناطق سهل نينوى المتنازع عليها، أما الأمين العام لمنظمة بدر، هادي العامري، فقد أشار إلى أن استفتاء شمال العراق مؤامرة كبيرة يجب الوقوف في وجهها «مهما كان الثمن».
والذي تنبغي الإشارة إليه هنا هو أن الحشد الشعبي ينتشر على طول خطوط التماس مع قوّات البيشمركة الكردية، ابتداءً من مدينة خانقين والسعدية في محافظة ديالى حتى سنجار وربيعة في محافظة نينوى، ما يجعله قوة مُهِمّة قد تعوّل عليها إيران خلال المرحلة القادمة، في محاولة منها للجم الطموحات الكردية. ولعل التحركات العسكرية الأخيرة حول مدينة كركوك تشير إلى مدى تأزم الوضع العسكري، خصوصًا في ظل وجود قاسم سليماني في أطراف مدينة كركوك، فإذا لم تستخدمه إيران في مواجهة عسكرية محتملة فهو بالتأكيد وسيلة ضغط تجابه به تطلعات الإقليم، وخصوصًا بعد انتهاء معارك تحرير الحويجة التابعة لمحافظة كركوك، التي شهدت هيمنة كاملة لقطاعات الحشد الشعبي والشرطة الاتحادية في هذه المعارك، في مقابل استبعاد تام للبيشمركة الكردية.

خريطة توضح نقاط التماس بين البيشمركة والحشد الشعبي

4- الخيارات السياسية:الخيارات السياسية المتاحة أمام إيران هي الضغط على الحكومة والكتل البرلمانية المقربة منها من أجل تبنّي مزيد من العقوبات حيال الإقليم، أو حتى الضغط على إقليم كردستان العراق، سواءً من خلال مبادرات سياسية أو من خلال تفتيت الإقليم سياسيًّا من الداخل.كما تمتلك إيران مفاتيح ضغط سياسية أخرى على إقليم كردستان العراق، وذلك من خلال ترويجها لمشروع «إقليم السليمانية»، كمحاولة لتفتيت الإقليم من الداخل، وخلق طبقة سياسية كردية جديدة متوائمة معها من جهة، وتسعى للخلاص من هيمنة مسعود بارزاني من جهة أخرى، إلى جانب تشجيعها لدعاة إقليم السليمانية وأغلبهم من قياديي حزب الاتحاد الوطني وحركة التغيير، الذين تجاوزوا مشكلاتهم الحزبية القديمة، على المضيّ قُدمًا في مشروعهم، لا سيّما أنهم نجحوا في تحويل قضاء حلبجة إلى محافظة، وزاد سعيهم إلى اقتطاع قضاء خانقين من محافظة ديالى وإلحاقه بالسليمانية، والاستعداد لإعلانه محافظة كردية جديدة، إضافة إلى استمرار سيطرتهم على مدينة كركوك، وهذا يعني بحسابات بسيطة للسكان والمساحة أن إقليم السليمانية سيتألف من أربع محافظات (السليمانية وحلبجة وخانقين وكركوك)، تشكل مساحتها ضِعف مساحة محافظتَي أربيل ودهوك، ومن حيث عدد السكان يفوق تعداد السكان المحافظتين اللتين ستبقيان بحوزة بارزاني، إضافة إلى غناها بالموارد الطبيعية قياسًا بأربيل، فقيام قاسم سليماني بزيارة قبر جلال طالباني، وعقده مباحثات معمقة مع قيادات الاتحاد الوطني الكردستاني في يوم 14 أكتوبر 2017، من أجل إظهار موقف مغاير عن موقف بارزاني، قد يشير إلى نجاح إيران في هذا المسعى، خصوصًا أنها تأتي متماشية مع تصريحات كردية بوجود مبادرات للحل.وتتلخص المصالح الإيرانية في التوجه نحو هذا الخيار[6] في الآتي:
أ-إيران والاتحاد الوطني الكردستاني تربطهما عَلاقة جيّدة، والسبب في ذلك يعود إلى أن المناطق التي يوجد فيها الاتحاد الوطني الكردستاني تحدّها إيران وحدها، بينما للحزب الديمقراطي الكردستاني حدود مع كل من إيران وتركيا، وبالتالي ليس أمام الاتحاد الوطني أيّ خيار بديل عن بناء عَلاقات جيّدة مع إيران.

خريطة توضح الموقع الجغرافي لمدينة السليمانية ضمن إقليم كردستان العراق

http: //www.almedar.com/?p=4152

ب- أهمية السليمانية للإيرانيين باعتبارها عمقًا استراتيجيًّا لهم في العراق، خصوصًا أن هناك روابط تاريخية بين الاثنين، إذ إنّ السليمانية كانت قبل عام 1848 أراضيَ إيرانية، فعُقِدَت اتفاقية أرضروم الثانية عام 1848، بين «المملكة الفارسية» (إيران حاليًّا) والدولة العثمانية التي كان العراق تابعًا لها، وتم بمقتضى هذه الاتفاقية تبادل الأراضي بين الدولتين، إذ أصبحت السليمانية وما حولها تابعة للعثمانيين، مقابل التنازل عن الأحواز لإيران، لهذا فإنّ احتمال امتداد النفوذ الإيراني إليها يعود إلى تلك الروابط التاريخية، خصوصًا أن أوضاع العراق الأمنية جعلت تركيا وإيران تتدخلان بشكل غير مسبوق في العراق.
ج- هناك تعاون وتبادل تجاريّ بين إيران ومحافظة السليمانية، التي تُعَدّ المحافظة الصناعية الأولى في العراق، فعلى الرغم من إعلان إيران عن إغلاقها لكل المعابر الحدودية مع الإقليم بعد الاستفتاء، فإن هناك كثيرًا من المعلومات الاستخبارية التي أشارت إلى قيام إيران بافتتاح بعض المعابر السرّية مع السليمانية، من أجل استمرار العَلاقات التجارية بينهما، إذ ترتبط إيران بعَلاقات واسعة مع السليمانية، فتجارة المحافظة مع إيران هي أوسع وأكثر من تجارتها مع باقي أجزاء العراق الأخرى، كما تُعَدّ السليمانية منفذًا رئيسيًّا لتسويق البضائع الإيرانية إلى محافظات العراق كافة، وإلى تركيا
د- إيران اليوم لا تريد إعادة رسم خارطة الشرق الأوسط، لأنها الخاسر الأول من تغيير خارطة «سايكس-بيكو»، وسوف تقاتل بشدة للحفاظ على هذه الخارطة، وهذا ما جعلها تضع الوسائل اللازمة لإفشال هذا المخطط، وبدأت تدافع عن وحدة أراضي العراق، وتهاجم خطط خارطة «سايكس-بيكو» الجديدة، التي طالما هاجمتها وعدّتها عائقًا أمام الجهود الإقليمية والدولية التي تريد القضاء على الإرهاب، وبالتالي فإن العراق الفيدرالي هو ما تريد الحفاظ عليه، دون غيره من الصيغ الاتحادية الأخرى.
5- الخيارات الاقتصادية: يطرح الخيار الاقتصادي نفسه إلى جانب الخيارات السابقة، إلا أنه يظل في إطار محدود، كون المناورة الإيرانية في هذا المجال محدودة أصلًا، بفعل العقوبات الدولية المفروضة عليها، هذا من جانب. ومن جانب آخر لا تريد إيران التفريط بالسوق الاقتصادية في إقليم كردستان العراق، كونها المتنفّس الوحيد الذي تستطيع من خلاله النفاذ إلى الأسواق التجارية في مناطق نينوى والأنبار وتركيا، وبذلك فإن إيران من الصعب أن تعطي الأدوات الاقتصادية أهميّة رئيسية في تعاملها مع تداعيات استفتاء إقليم كردستان العراق، لما لها من ضرر كبير على الواقع الاقتصادي الإيراني الداخلي، وستقتصر الأفعال الإيرانية على الجزاءات الاقتصادية الهامشية، كالتضييق على حركة المسافرين أو فرض غرامات حدودية عالية وما شابه ذلك.
6- الخيارات الشعبية: تنحصر الخيارات الشعبية في إطار سعي إيران لتحشيد الرأي العام العراقي ضد الكرد واستفتاء الانفصال، ويتضح ذلك من خلال الدور الذي تلعبه المؤسسات والمنظمات المدنية والمجتمعية التابعة لفصائل مسلحة ضمن الحشد الشعبي، عن طريق تسيير المظاهرات المنددة بالاستفتاء، في مدن الموصل وبغداد ومحافظات الجنوب، إضافة إلى تسخير المنابر والشعائر الدينية لمهاجمة قيادات الإقليم وسياساتهم، إذ تحوّلت الشعائر الحسينية في العاشر من محرم إلى خطابات تصعيدية ضد الإقليم، وبالتالي توجيه الرأي العام العراقي من خلال الأحزاب والمنظمات باتجاه مضاد للاستفتاء.

رابعًا: مستقبل الأزمة
إنّ السيناريوهات القادمة التي تنتظر إقليم كردستان العراق مقلقة جدًّا، فهي تذهب بالاتجاهات الآتية:
1. فرضية التهدئة والعودة إلى مرحلة ما قبل 25 سبتمبر، بناءً على تسويات سياسية «داخلية وخارجية»، يتم الاتفاق عليها برعاية أممية دولية وتأييد إقليميّ.
2. فرضية الاتفاق على شكل جديد من الإدارة والسيطرة بين الإقليم والحكومة الاتحادية، وقد تكون فكرة الكونفدرالية هي الصيغة الأكثر قبولًا في حالة غياب أيّ فرص للحلّ، خصوصًا أن هذه الفكرة تأتي متوافقة مع مشاريع أمريكية طُرحت سابقًا لتقسيم العراق.
3. فرضية الحرب والصراع المسلح، التي قد تندلع في المناطق المتنازع عليها، مع ضعف فرص هذا السيناريو في التحقق، خصوصًا في ظل معلومات استخباراتية تشير إلى إعلان أمريكيّ ضمنيّ بأنها ستكون مع الطرف المعتدى عليه، بل يمكن القول إنه لا توجد إمكانية لاندلاع أي مواجهة عسكرية دون ضوء أخضر أمريكيّ، وبناءً على ذلك قد يقتصر الموضوع على تحشيدات عسكرية ومناوشات محدودة قد تحصل هنا وهناك، إلا أن الخشية تبقى قائمة من قيام الحشد الشعبي بإجراءات أحادية الجانب، بدعم وتأييد إيرانيّ، وهذا الأمر أيضًا يتوقف على طبيعة العَلاقة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية خلال المرحلة القصيرة القادمة، إذ تأتي الخشية الأمريكية من أن تتحول خطوط الصراع بين البيشمركة والحشد الشعبي من صراع قوميّ إلى صراع إثنيّ-طائفيّ، يشمل مجمل الإقليم، وبالتالي تكون متنفسًا جديدًا للجماعات الجهادية المسلحة، التي تجيد إيران لغة توظيفها بالشكل الذي يخدم سياساتها في المنطقة، وهو ما لا ترغب فيه الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تزال مشغولة بتصفية وجود تنظيم داعش في سوريا والعراق، وهى المهمة التي تعرقلها إيران، لا سيّما بعد أن لعبت دورًا في نقل عناصر التنظيم من القلمون الغربي في لبنان إلى دير الزور على الحدود مع العراق، في إطار استراتيجية إيرانية قائمة على فرضية الاستثمار في الخصوم، لإيجاد مسالك جديدة لاستنزاف أمريكا في العراق كمرحلة أولى، ولعل هذا ما يضعف من احتمال اللجوء إلى العمل العسكري، على الأقل في الوقت الحاضر.
4. فرضية استمرار الوضع الراهن على ما هو عليه، وذلك من خلال لعب أطراف الصراع على مسارات الأزمة، والمراهنة على تقلبات المواقف الخاصة بالقوى الدولية، بالاتجاه الذي يحسم الصراع في النهاية لأحد أطرافه.
في النهاية يمكن القول إن هناك عديدًا من التداعيات الإقليمية والدولية المحتملة التي قد تفرزها الخطوات الكردية مستقبلًا، والتي قد تأتي كردود أفعال متوقعة للسياسات التصعيدية لدول الجوار، أو حتى الحكومة العراقية، ففي الوقت الذي يخشى فيه كثير من القوى (كتركيا وإيران) الأضرار والمخاطر المحتملة للاستفتاء وانعكاسها عليها سلبًا، هناك قوى أخرى (كإسرائيل) تنطلق من حسابات جيو-استراتيجية متعدّدة مرتبطة بدوائر تحركها الخارجي على مستوى الإقليم ككل، من خلال ربط المكاسب المتحققة في إقليم كردستان العراق باستراتيجيتها الإقليمية، وعليه فإن نظرة استراتيجية معمقة لما ستسعى إيران إلى فعله في المرحلة القادمة -خصوصًا بعد وفاة جلال طالباني الذي طالما تمسّك بعَلاقات مميزة مع الإيرانيين ومنع أي محاولة كردية تذهب بعيدًا عن الخيارات الإيرانية في العراق- توحي بأن مستقبل الإقليم مفتوح على كل الخيارات، وقد تجد إيران في الأزمة الحالية متنفسًا إقليميًّا جديدًا، خصوصًا في ظل الجدّية التي أظهرها خطاب الرئيس الأمريكي ترامب في تصفير الوجود الإيراني في المنطقة، ونظرًا لنجاح إيران في موضوع «الإدارة بالأزمة»، كونها أصبحت صفة ملازمة للسياسات الإيرانية في العراق، فإنها قد تحوّل إقليم كردستان العراق إلى مستنقع إقليميّ جديد، تعيد من خلاله بناء استراتيجيتها الإقليمية، على مستوى الانتشار وخطوط المواجهة، لتتواءم مع التحديات الجديدة التي تتشعب وتمتد إلى أكثر من منطقة جغرافية تحيط بالغلاف الجيوبوليتيكي للعراق. وهنا تجدر الإشارة إلى أن ظهور تنظيم داعش في العراق وسوريا عام 2014 كان الحصان الأسود الذي أعطى إيران قوة دفع في مفاوضاتها النووية مع القوى الكبرى، وجسرًا مكّن إيران من فرض هيمنتها على مناطق شمال العراق، التي لم يكن لإيران أيّ وجود فيها قبل هذا التاريخ.

[1]
ومنها حركة التغيير الكردية، الجماعة الإسلامية الكردستانية، الاتحاد الإسلامي الكردستاني، الحزب الاشتراكي الديمقراطي الكردستاني، الحزب الشيوعي الكردستاني، إلى جانب أحزاب عربية وتركمانية ومسيحية.
[2]
قاسم سليماني في السليمانية لإعاقة استقلال كردستان، الخليج الجديد، في 11 أبريل 2017، http://cutt.us/YGCVj
[3]
محمد العراقي، إيران ومستقبل الميليشيات المسلحة في عراق ما بعد داعش، مجلة الدراسات الإيرانية، العدد «3»، السنة الأولى، الرياض، مركز الخليج العربي للدراسات الإيرانية، يونيو 2017)، ص 130.
[4]
أجهزة النظام الإيراني توجد حاليًّا في كردستان العراقية، في 26 ديسمبر 2007، http://cutt.us/sset0
[5]
قيس الخزعلي يلوّح باستعداد الحشد الشعبي لمواجهة «دولة البارزاني»، CNN عربية، في 7 أكتوبر 2017، http://cutt.us/bQUFH
[6]
حمد جاسم محمد، دور إيران في الدعوة لإنشاء إقليم السليمانية في العراق، شبكة النبأ المعلوماتية، في 2 أغسطس 2015، http://cutt.us/ttsb0
فراس إلياس
فراس إلياس
باحث في السياسات والاستراتيجيات الدولية